مأزق على أكثر من صعيد

تم نشره في السبت 30 أيلول / سبتمبر 2006. 03:00 صباحاً

يبدو أن اللاعبين الرئيسيين على الساحتين الإسرائيلية والفلسطينية لهم قراءات مختلفة للبيئة الإستراتيجية التي تشكلت في أعقاب حرب لبنان الثانية، الأمر الذي يؤدي الى وجود مأزقين: الأول، إسرائيلي ناتج عن فقدان البوصلة السياسية بعد أن شكلت حرب لبنان صفعة قوية لمبدأ الردع؛ والثاني، فلسطيني ناتج عن غياب القدرة على تحديد الأولويات، وبخاصة للفصيلين الأهم حماس وفتح .

المأزق الإسرائيلي يتمثل في اعتراف الجميع في إسرائيل بفشل السياسات الأحادية التي ميزت الفترة الشارونية. فقد اخفقت هذه السياسات في المحافظة على الحد الأدنى من الردع المطلوب، ولم تستطع إقناع الولايات المتحدة بتمويل الانسحابات الأحادية، أو الاعتراف بشرعية حدود خطة الانطواء التي طويت إلى حين، وأثارت شكوكا كبيرة لدى دول عربية معتدلة تقيم معاهدات وعلاقات سلام مع إسرائيل .

والتطورات الاخيرة في الإقليم عززت وجهة النظر الاسرائيلية التي ترى بأن المشكلة الفلسطينية ثانوية، وأن الإسلام الراديكالي هو العدو الأساس لإسرائيل وللدول العربية المعتدلة. وتقود وجهة النظر الاخيرة الى التركيز على سباق التسلح الذي يجري بشكل خفي بين أطراف الصراع . وقد كتب اليكس فيشمان، في يديعوت أحرنوت يوم الاربعاء الماضي، عن سباق تسلح محموم يمهد لتأهيل حماس لتطبيق نموذج حزب الله.

وهذا يعطي صدقية داخل إسرائيل للذين يعتقدون بحتمية مواجهة عسكرية كبيرة ستجري بعد أشهر في غزة، لأن إسرائيل لا تستطيع العيش والصواريخ تتكدس في غزة. وقد شبه يوفال ديسكين، رئيس جهاز الشاباك، الوضع في غزة بذاك الذي ساد في الجنوب اللبناني عشية اندلاع الحرب الاخيرة.

وسباق التسلح له علاقة بالأمن، وهو بالتالي يضرب على وتر حساس للجمهور الإسرائيلي، الأمر الذي يجعل من توجيه ضربة استباقية مطلبا جماهيريا. وهنا يجب على الجانب الفلسطيني الانتباه إلى خطورة التصعيد مع الجانب الإسرائيلي.

وفي المقابل، يعتقد جزء مهم من الجمهور الاسرائيلي بأن الحرب الأخيرة أوجدت نافذة لتحقيق السلام، ودفع العملية السلمية الى الامام. وقد كتب أوري سافير، احد مهندسي أوسلو، بأن المستقبل القريب يحمل في طياته خطورة كبيرة على إسرائيل إذ لم تبدأ العملية السلمية في القريب العاجل.

المشهد الإسرائيلي يعبر عن مأزق إستراتيجي، وبخاصة مع ظهور خطر المف النووي الإيراني.

اما الجانب الفلسطيني، فمازال متخبطا نتيجة للقراءات المختلفة، والأهداف الاستراتيجية المتباينة بين فتح وحماس. فإصرار حماس على تقويض جهود اقامة حكومة وطنية، وعلى الاستمرار بالمكابرة وعدم الاعتراف بإسرائيل، يجعل من مهمة تأهيل الحكومة الفلسطينية امرا صعبا. والصراعات الفصائلية المتعلقة بلعبة القوى والنفوذ بين حماس وفتح تجعل من الهم السياسي الفصائلي اليومي في قمة أولويات السياسيين، وكأن مسألة التحرير أصبحت في الجيب، أو انها طويت هي الأخرى لصالح لعبة القوة والنفوذ.

فشل حماس في الحكم صارخ، ومن المثير للشفقة إصرار الزهار على ان الحكومة (التي أخفقت في دفع رواتب العاملين لديها) هي من انجح الحكومات على الإطلاق. فالغرور والتضليل الذي يمارسه رموز حماس غير مسبوق، وبحاجة الى وقفة فلسطينية مجتمعية تعيد الرشد لمن فقده. هذا الأمر لا يعفي حركة فتح التي تعاني من انقسامات شديدة، ومن الواضح ان الرئيس عباس يفقد السيطرة على حركته. وهذه الانقسامات الشديدة في الجسم السياسي الفلسطيني تنتج مأزق الوضع الراهن.

التوجه الاميركي الآخذ في التشكل هو تشكيل محور سنّي-اسرائيلي في مواجهة إيران، الأمر الذي يتطلب تنشيط العملية السلمية. ويجب الاستعداد للجهد الاميركي لتحقيق الاستفادة القصوى منه. في مقابل ذلك، تقف حماس في تحالف خفي مع إيران كما يتبين من مواقف خالد مشعل وتصريحاته وتحركاته. وسيأتي الوقت الذي تقول فيه الدول العربية الرئيسة كلمتها بشأن حماس. فعلى الحركة ان تدرك ان الدول العربية القوية والمعتدلة تتخوف من النفوذ الإيراني الذي تساعد فيه حماس، وان اعلان ان حماس احد عوائق عملية السلام هو مسألة وقت. فالمأزق الفلسطيني بحاجة الى حسم فلسطيني بمساعدة عربية، قبل ان يختلط الحابل بالنابل، وتدفع الدول المجاورة والفلسطينيون ثمنا باهظا لعدم انصياع حماس للإجماع العربي.

hassan.barari@alghad.jo

التعليق