إرهاب!

تم نشره في السبت 16 أيلول / سبتمبر 2006. 03:00 صباحاً

خلال الاسبوع الماضي، وفي حادثين منفصلين سقط في الاردن قتيلان واكثر من 750 مصاباً وجريحاً من الاردنيين وبعض الاشقاء المصريين. وعندما نتحدث عن حوالي 800 مصاب وجريح فإننا نتحدث عن ارقام لا يمكن لأكثر العمليات الارهابية ان يوقع مثلها من الاصابات! وقد سبق هذين الحادثين عملية ارهابية استخدم فيها القاتل مسدساً، واطلق اكثر من 15 رصاصة، فسقط قتيل وسبعة جرحى، وحظيت العملية باهتمام سياسي واعلامي وفضائيات، كما تم تكريم المواطنين الايجابيين وتوزيع اوسمة وميداليات عليهم.

 لكن "الارهاب" الناتج عن اهمال او فساد في الغذاء او البناء اسقط اكثر من 100 ضعف من المصابين والجرحى، وقتيلين! وليس مهماً ان يكون سبب التسمم ناتجاً عن مرض في الدجاج الخاص بالشاورما، او عن المايونيز او غير ذلك، فكل هذه الاسباب توصل الى الاستنتاج نفسه.

فإذا كان السبب هو المايونيز، فإن من يعمل في صناعة الغذاء ويطرق ابوابه الاف المواطنين كل يوم ليتناولوا عنده غداءهم وعشاءهم، يفترض فيه ان يعرف ان هذه المادة تتحول الى سم قاتل اذا فقدت شروط التخزين، وتركت في الشمس الحارة. وكذلك الأمر بأمراض الدجاج. لكن طريقة تفكير البعض في القطاع الخاص تقوم على ستر الله والتوكل؛ اي ان من يعمل في مجال الغذاء لا يبذل جهداً الا في الاعلانات والبيع وجني الارباح، فيما التأكد من سلامة المواد امر لا يكشفه الا مثل هذه المصائب!

 وايا ما كانت التحقيقات في انهيار المبنى او جزء منه، فإن الحكاية في محصلتها ناتجة عن خطأ. وهنا لا نتحدث عن حسن النوايا او سوئها، فالعبرة أيضا بالنتائج. إذ عندما يموت اثنان ويصاب 18 شخصاً يكون الحديث فقط عن العمل وارواح الناس واجسادهم وارزاقهم، ومستقبل عائلاتهم.

 وقبل هذه الاحداث بأيام، كتبت عن تقرير لمديرية صحة الزرقاء تحدث عن ضبط واتلاف 90 الف طن من المواد الغذائية الصلبة الفاسدة خلال ستة اشهر، اي بمعدل 15 الف طن شهرياً! ومعها 2500 طن من المواد السائلة الفاسدة شهريا! وكان من الممكن أن تؤدي هذه المواد في حال عدم ضبطها الى اضرار جسيمة بصحة الناس وحياتهم.

منذ الحوادث الارهابية في فنادق عمان قبل عشرة اشهر، ورغم أن الارهابيين كانوا غير اردنيين، فقد أنفقنا جهداً سياسياً واعلامياً وادارياً وشعبياً كثيفاً في مواجهة الإرهاب، وهو جهد ضروري ومهم، لكن الارهاب الآخر يمارسه مواطنون اردنيون بحق كل الاردنيين لا على التعيين! فمن يبيع اغذية فاسدة يعرضها في الشارع، هو تماماً كمن يبيع قنابل موقوتة يحملها الناس الى بيوتهم، تقتلهم او تصيبهم بالمرض. ولان الرقابة تغيب، فقد أصيب أكثر من 750 اردنيا ودخلوا المستشفيات. وهو ما يقودنا إلى دور وزارة الصحة التي يتوجب عليها التوقف عند واجباتها في الرقابة الصحية؛ فدور الوزارة ليس استقبال المصابين وتفسير سبب الإصابة فحسب.

هذا النوع من "الارهاب" لم يعد صغيراً، مؤثر ومستنزف لامننا الاجتماعي. فهل على اي منا ان يذهب الى مختبر كلما اراد شراء سندويشة او المرور من تحت مبنى تحت الانشاء، او شراء علبة فول من بسطة او حتى من بقالة؟!

 العلاج الحقيقي لكل المشكلات هو الاخلاق والقيم والخوف من الله تعالى، لكن تزايد ضعف هذا لدى البعض يجعلنا اكثر حاجة الى القانون والرقابة. فكما أن لدى الدولة اجهزة وجهات تحارب الارهاب، فإن الحاجة ماسة الى كتائب مكافحة ارهاب الفساد والطمع والجشع والاهمال. وإذا كانت حيازة متفجرات تقابلها عقوبة رادعة قوية، فربما لا يقل عنها حيازة مايونيز فاسد او دجاج مريض؛ فالمتفجرة قد تجرح خمسة، لكن علبة المايونيز تدخل الى المستشفى مئات الاردنيين.

 على أولئك الطامعين بالثراء السريع في الغذاء والبناء وكل مجال، أن يرحموا الاردنيين من الموت والمرض والاصابات؛ وأن يخزنوا دجاجهم والمعلبات، وان يستخدموا الاسمنت والحديد وزفتة الشارع بما يتناسب مع ادنى قواعد القانون والضمير، والا لن يختلف ارهاب المتفجرات عن ارهاب الغذاء والدواء والبناء!

sameeh.almaitah@alghad.jo

التعليق