د.باسم الطويسي

الصراع على الإسلام في أوروبا

تم نشره في السبت 16 أيلول / سبتمبر 2006. 03:00 صباحاً

جاءت أقوال البابا بنديكتوس السادس عشر الأخيرة حول الإسلام لتمثل واحدة من اخطر موجات الصراع حول الإسلام المتنامي منذ سنوات في أوروبا. ومصدر خطورة هذه التصريحات انها جاءت من أعلى سلطة دينية في أوروبا الكاثوليكية؛ من الحبر الأعظم، بعد أن كانت المؤسسة البابوية قد نأت طوال عقود عن الزج بنفسها في الصراعات الدينية السياسية.

وهي تصريحات خطيرة أيضا لأنها تسبق حوارا حضاريا دينيا مزمعا بين الإسلام والكاثوليكية طال انتظاره، إضافة إلى أنها تحدثت عن مسائل يعدها المسلمون ثوابت لا نقاش حولها في العقيدة والفكر الإسلاميين.

أما مصدر الخطورة السياسية في هذه الأقوال فيتمثل في كونها تأتي في ظروف سياسية تاريخية حرجة ودقيقة، بكل ما يحمل هذا الوصف من معنى، وبالتزامن مع بداية تدشين لوبي صهيوني في الدوائر الأوروبية، اخذ خلال الفترة الماضية بالتشكل السريع، رداً على حالة الانتصار الجزئي للعقلانية التاريخية الأوروبية، واستشعارا من إسرائيل لخطر التفهم الأوروبي للقضايا العربية ومصادر الصراع في المنطقة؛ ما يعني ان المراد من هذه التصريحات هو ان تكون نفحة مقدسة على نار صراع جديد، وليس بداية حقيقية لحوار ثقافي وحضاري بين اكبر ديانتين في عالم غير عادل، اغتصبت فيه السياسة الأديان، ويراد فيه ان تصبح مدن الله مصدراً للنار وليس للنور.

كلام بابا الفاتيكان أتى في سياق محاضرة علمية، من المفترض ان تكون أكثر دقة وعناية وموضوعية في إطلاق الأحكام، ووصف ادوار الآخرين وعقائدهم؛ فقد جاء ذلك في محاضرة ألقاها في جامعة تقع جنوب ألمانيا وطنه الأصلي، وفي الجامعة ذاتها التي قضى فيها الحبر الأعظم أكثر من عقد يدرس على كرسي الأديان وعلم اللاهوت.

وفي محاضرته، أجرى البابا مقارنة بين مفهوم الله في العقيدتين المسيحية والإسلامية، مدعياً ان الإسلام لا يدين بشدة العنفَ الذي يمارس باسم الايمان، وأن فكرة الجهاد والحرب المقدسة في الإسلام تعارض إرادة الله التي لا تخضع للعقل في العقيدة الإسلامية! ومن دون الخوض في تفاصيل ما جاء في هذه الأقوال، يجب ألا نذهب بعيداً في التقليل من شأنها، ولا تحميلها أكثر مما تحتمل؛ فلقد قيل هذا الكلام، وعلى مدى قرون، بما في ذلك خلال السنوات القليلة الماضية، مئات المرات! لكن مصدر الخطورة هذه المرة هو: من يقول؟ وماذا؟ ولمن؟ ولماذا؟ بمعنى ضرورة فهم السياق الموضوعي لهذا الحدث، لتكون الردود في سياق فهم الحملة السياسية التي تشهدها أوروبا منذ سنوات، وعنوانها "الصراع على الإسلام في أوروبا". وإذا كانت الأطراف الفاعلة في الحملة هم من الاوروبيين أنفسهم، إلا أن جزءا من هذا الصراع يدار لحساب المصالح السياسية الإسرائيلية.

أخذت الحملة السياسية تظهر بين طرفين؛ احدهما انخرط في إطار الاطروحات اليمينية المتصهينة حول الإسلام ومصادر تهديد الأمن العالمي، فاخذ يصبغ هذا الاتجاه بقضايا الجاليات الإسلامية الأوروبية، وازدياد الهجرة غير الشرعية من العالم الإسلامي إلى أوروبا وما يستدعيه ذلك من مخاطر على هوية أوروبا الدينية والحضارية. وقد عُكس ذلك في موجة من التصريحات والأقوال لقادة ومفكرين في السلطة وفي المؤسسات السياسية والمدنية. وفي هذا السياق أتت قصة الرسوم الكاريكاتورية في الصحيفة الدنماركية وغيرها من أحداث تزامنت مع ازدياد التهديدات الأصولية الإسلامية للمصالح الأوروبية. وفي المقابل، بقي صوت أوروبا العاقلة هو الأعلى، بما يمثل واحدة من أكثر حالات النضج في تاريخ الغرب في التعامل مع الشرق العربي الإسلامي، والتفهم النسبي لقضاياه وأزماته.

وفي الحقيقة، لا يمكن بأي حال تبرئة ساحة إسرائيل والجماعات الصهيونية المتنفذة في اوروبا من هذه القضية؛ ليس على مستوى ما قاله البابا الذي اتهم بعلاقاته النازية من قبل إسرائيل والدوائر الصهيونية، ويبدو انه يبحث عن صكوك غفران بإدخال الفاتيكان في صراع سياسي لا طائل منه، بل إن عدم تبرئة إسرائيل هو على مستوى الخيارات الحضارية والاستراتيجية الأوروبية، كما برز ذلك بشكل واضح منذ الاستطلاع الذي اجري في دول الاتحاد الأوروبي في العام 2003، واظهر إدراك الاوروبيين لإسرائيل باعتبارها تمثل اكبر مصدر للخطر في العالم.

وقد تتابعت خطوات إسرائيلية متلاحقة، على مستوى المؤتمر اليهودي الأوروبي، كما على مستوى المؤسسات الإسرائيلية، للدخول في حلبة الصراع على الإسلام في أوروبا، وآخر مظاهره إنشاء لوبي يهودي يمارس ضغوطه بشكل معلن على سياسات الاتحاد الأوروبي.

يجب ان تفهم تصريحات البابا في سياقها السياسي والحضاري قبل السياق الديني المباشر، وان يرد عليها بخطوات سياسية ومطالب حضارية، وليس بالتعبئة الشعبية كما حدث في "التجربة الدنماركية"؛ وأولى الخطوات ان تطرح المؤسسات الإسلامية الرسمية شروطها ورؤيتها لحوار ديني وحضاري قادم، يقطع الطريق على معركة اللوبي اليهودي الجديدة.

basimtwissi@hotmail.com

التعليق