ياسر أبو هلالة

تصريحات البابا وموقف الكاثوليك العرب

تم نشره في السبت 16 أيلول / سبتمبر 2006. 03:00 صباحاً

 منذ توليه موقعه، لا ينفك البابا عن إصدار تصريحات تثير غضب المسلمين! ومن في مثل موقعه الذي يعبر عن سلطة أخلاقية بالمقام الأول، لا ينبغي له الانحياز إلى مواقف عنصرية في عالم متوتر على وشك الانفجار، وإن كانت مثل هذه المواقف قد تحظى بشعبية رخيصة، تغري صغار السياسيين لكنها تثير اشمئزاز السياسيين الكبار، ناهيك عمن يتصدرون زعامة يفترض فيها أنها تقوم على الدين والأخلاق.

لا أقل من الاعتذار مطلوب من البابا, فالمسلمون بعقلائهم وسواهم, لا يقبلون إهانة كتلك التي صدرت عنه، والتي تتهم الإسلام ونبيّه بمجافاة المنطق والإنسانية. وفي حال رفض الاعتذار، لا بد من موقف لا كالذي اتخذ أيام الرسوم المسيئة، إذ لا داعي للانفعال، بل موقف منطقي وعقلاني! حتى لا تستغل الانفعالات لمزيد من الإساءات. موقف يرتكز بالأساس إلى الكاثوليك العرب الذين لا يقبلون لأشقائهم في القومية إهانة كتلك, فالنبي عربي بالنسبة للمسلم والمسيحي.

الكاثوليك العرب هم الأقدر على إيصال الرسالة, ولتبدأ من الأردن. ليس المطلوب تظاهرة أمام بعثة الفاتيكان, وإنما وفد محترم يضم رجال الدين الكاثوليك، وغيرهم من المذاهب المسيحية الأخرى، إضافة إلى مفتي المملكة وكبار علماء الدين الإسلامي، يزور البعثة ويفتح حوارا معها، ويطالبها بنقل مطلب الاعتذار. والبابا ليس رئيس وزراء الدنمارك الذي يخشى على مصالح البقرات وما ينتج عنها من حليب؛ البابا مرجعية أكثر من بليون كاثوليكي موزعين على سطح الكوكب، ويعيش جزء كبير منهم وسط المسلمين.

لو اطلع البابا على المخطوطات الإسلامية الموجودة في مكتبة الفاتيكان لاكتشف أن الإسلام أعطى العقل المنزلة العليا، وأن التفسير البابوي في عصور الظلام للكتاب المقدس هو ما عطل العقل حينا من الدهر. والبابا يعرف جيدا من أحرق العلماء في الوقت الذي كان فيه المسلمون يترجمون علوم من قبلهم ويبدعون لمن بعدهم. فالخوارزمي، العالم المسلم الذي اكتشف اللوغارتيمات (تحوير لكلمة الخوارزميات)، كان يؤلف كتابا عن المواريث، ومنه انطلق إلى العلم الذي يعتبر الأساس النظري لعلم الحاسوب.

حضارة الإسلام لا تنقصها شواهد حية, وعلى البابا أن يأخذ ملخصا عن عدد المخطوطات الإسلامية في مكتبة الفاتيكان, وعليه أن يزور إسبانيا, لا ليكتشف روائع الحضارة الإسلامية فقط, وإنما ليطلع على ما فعله المتعصبون باسم المسيحية بالمسلمين واليهود في محاكم التفتيش. وبعدها عليه أن يعتذر للمسلمين كما اعتذر سلفه لليهود. أما إذا لم يجد وقتا للزيارة والقراءة، فليشاهد فيلم "مملكة السماء"، وهو إنتاج غربي، ليطلع على ما فعلته الحروب الصليبية، وكيف كان تعامل صلاح الدين مع من ارتكبوا المجازر بحق أبناء أمته. تلك الحروب سماها مؤرخو الغرب الحروب الصليبية، وسماها مؤرخو المسلمين حروب الفرنجة.

كل الديانات فيها متطرفون ومعتدلون، وعلى البابا أن يعلم أن تصريحاته تنمي التطرف في الجانبين, ومسؤوليته أن ينمي الاعتدال وروح التفاهم والحوار، حتى لا نقول روح المحبة والسلام. والعالم أكثر ما يكون حاجة إلى قيم الدين التي تعلي من قيمة الإنسان في وجه طغيان قيم المادة.

وبدلا من الانشغال بالخلافات مع المسلمين، بإمكان البابا الانشغال برعيته في الغرب، وخصوصا في ألمانيا حيث صدرت تصريحاته. فالنازيون كانوا كاثوليك، والذين ارتكبوا الهولوكوست -الذي غدا المقدس الوحيد في الغرب الذي لا يجوز المساس به- لم يكونوا مسلمين، والذين قتلوا ملايين البشر في حربين عالميتين لم يكونوا مسلمين. واليوم تعود المشاعر النازية للنمو في الغرب, ولا يوجد مثل الدين رادعا أخلاقيا لها.

yaser.hilala@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »جهل ام عدوانية (محمد العثامنة)

    السبت 16 أيلول / سبتمبر 2006.
    انااوافق الرأي على كل ما كتبته ولكن الموضوع ليس بالادلة التي علينا ان نضعها في وجه بينيدكت التي تقنع حتى الجهال ولكن عدائية البابا والغرب للاسلام هي الدافع الرئيس للتفوه بهذه العبارات وليس جهلهم فامثال البابا امضوا اكثر من نصف قرن في دراسة الاديان السماوية فكيف يجهلون في دين يعتنقه اكثر من مليار ونصف المليار مسلم انما هي الكراهية والعدوانية المعلنة جهرا علينا نحن المسلمين الذين لم نحرك ساكنا
  • »تصريحات البابا وموقف الكاثوليك العرب (anamr tameem)

    السبت 16 أيلول / سبتمبر 2006.
    تبسيط الامور واقتراح حلول من هذا المستوى دلالة على ضحالة الفهم.
    مع اعتذاري المسبق عن القسوة البادية ولكن لا بد من ذلك