لم نعد نملك ترف الوقت

تم نشره في السبت 16 أيلول / سبتمبر 2006. 03:00 صباحاً

للقضية الفلسطينية خصوصية غريبة نوعا ما؛ فكلما تأخرت التسوية النهائية تقلص ما يمكن لإسرائيل إعادته للفلسطينيين. وإذا كان هناك من يعارض هذه المقولة، فليفسر لنا إذن تراجع سقف المطالب الفلسطينية على مر السنين. وكان من المستحسن لو أن العلاقة العكسية بين عاملي الزمن والأرض تخلق حالة من الإحساس العام بضرورة تسريع الحل. وإنقاذ ما يمكن إنقاذه من براثن الاحتلال الإسرائيلي هي مسؤولية كبيرة تقع على عاتق الفلسطينيين أولا، ولا يجوز التلاعب بأهميتها تحت أي مسمى، أكان عقائديا أم أيديولوجيا.

من الجلي، وهذا ما توقعناه منذ البداية، أن حكومة حماس محكومة بالفشل على كل الصعد، لأسباب كثيرة لا مجال لتناولها هنا. وتكتيك حماس في التشبث بمقاعد السلطة والاستمرار في لعبة شراء الوقت لعل الفرج يأتي، لم يخدما المصالح الفلسطينية بالتحرير، ولا بالأكل والشرب! فالحصار صارم، ولم يعد بمقدور الشعب الفلسطيني الانتظار لأن هذه الحكومة، بتركيبتها وبرنامجها الحاليين، وبمواقفها العقائدية المتشددة، لن تأتي بالفرج معها.

وعندما تفضي حرب لبنان الى هزيمة الأحادية الإسرائيلية، فهذا يعني أن ثمة تغيرا في البيئة الإقليمية يجب أن تستجيب له السياسة الفلسطينية، كما يجب على النخب في فلسطين العمل على استغلاله وعدم تفويته بالاشتباك ايجابيا مع مختلف اللاعبين في الإقليم وعلى المستوى الدولي. وبغير ذلك، ستعاقب الحكومة الفلسطينية نفسها.

ومن هنا جاء تحرك الرئيس أبومازن للضغط على حماس لتشكيل حكومة وطنية، كمحاولة فلسطينية لفك الحصار وإعطاء زخم للتحرك السياسي.

من الأفضل لو استبطن الجميع أن مسألة تشكيل حكومة وحدة وطنية ببرنامج جديد هو شهادة على عدم قدرة حركة حماس على قيادة الشعب الفلسطيني. ومن الأفضل أن تدرك حماس أنها أخفقت، فلا يخرج علينا الناطقون بلسانها (الذين لا يمكن حصر عددهم) ليؤكدوا أن الحركة لن تتغير، ولن تعترف بالاحتلال الإسرائيلي! ومن الذي طالب حماس بالاعتراف بالاحتلال الاسرائيلي؟! فلا يمكن رصد تصريح واحد لأي مسؤول عربي أو فلسطيني، أو أي كاتب ومفكر يطلب إلى حماس الاعتراف بالاحتلال الاسرائيلي لاراضي 1967!

الوقت لا يسمح باستمرار التلاعب بالألفاظ وتسويف الأمور، لأن ذلك سيؤخر الحل ويقلل بالتالي من مدى انسحاب إسرائيل. وطبعا يجب ألا يفهم من هذا المنطق أن إسرائيل متلهفة على المفاوضات للانسحاب، فهذه معركة أخرى علينا خوضها لكن بأساليب مختلفة، وهناك امكانية لربحها. وهنا نريد أن نعرف ما إذا كان هناك حكومة فلسطينية قادرة على اجراء المفاوضات وتوقيع الاتفاقيات أم لا!

بطبيعة الحال، الحكومة الحالية غير قادرة، وحكومة الوحدة الوطنية ما زالت قيد التكوين. ويبقى الشيء الأهم وهو تحرير الأرض. فحماس لا تؤيد حل الدولتين وتعمل على تقويضه، وهذا أمر مضر بمصالح الأكثرية الفلسطينية التي تؤيد حل الدولتين (كما يظهر ذلك استطلاعات الرأي العديدة ووثيقة الأسرى) لكنها تحت وصاية رأي الأقلية في هذا المجال، والتي وصلت إلى السلطة بشكل مشروع. وأكثر من ذلك، فإن عدم تأييد حل الدولتين يشكل خطرا أمنيا كبيرا على بعض دول الجوار، التي عليها أن تقول كلمتها بشجاعة، وألا تستمر بمنطق الترضية الذي لا يخدم الا المتشددين الذين لا يريدون حلا يضع نهاية للصراع.

هناك فرصة حقيقية للتقدم، وعلى الفلسطينيين المعتدلين، وكذلك المحور العربي الثلاثي المعتدل والواقعي، ألا يسمح لأقلية عقائدية بتفويتها. والتقدم باتجاه المفاوضات بحاجة الى تأهيل، وتقديم بعض التنازلات التي قدمتها القيادة الفلسطينية الشرعية مسبقا. ولسنا هنا بصدد إعادة اختراع العجلة؛ فالمطلوب دوليا وعربيا نبذ العنف والاعتراف بإسرائيل، وقد اعترفت جميع الدول العربية بإسرائيل، وخير دليل على ذلك المبادرة العربية في قمة بيروت. وبالتالي لا مجال للمزاودة لأننا لا نملك ترف الوقت، ومعادلة الأرض والزمن في غاية الوضوح.

hassan.barari@alghad.jo

التعليق