الصين المزدهرة وأميركا المسرفة

تم نشره في السبت 16 أيلول / سبتمبر 2006. 03:00 صباحاً

 معدلات الادخار في الصين هي الأعلى بين الدول الكبرى كافة. فقد بلغ إجمالي المدخرات (النسبة من الناتج المحلي الإجمالي التي لا تستهلك على الفور)، العامة منها والخاصة، حوالي 50%. وفي المقابل، تُعَد معدلات الادخار في الولايات المتحدة الأدنى بين الدول الكبرى كافة؛ حوالي 10% من الناتج المحلي الإجمالي. وتقع معدلات الدول الأخرى تقريباً بين هذين الطرفين المتناقضين.

إن الفارق في معدلات الادخار يشكل أهمية كبرى، ولا بد أن يكون هذا الفارق من بين الأسباب الرئيسة التي جعلت معدلات النمو الاقتصادي السنوية في الصين تفوق نظيراتها في الولايات المتحدة بست نقاط مئوية كاملة! وإذا ما تمكن الناس من ادخار نصف دخولهم، فإن استثماراتهم في رأس المال تصبح قادرة على دفع الاقتصاد بخطوات سريعة. والحقيقة أن الادخار في الصين يشكل في جزء منه حلقة متكاملة: إذ يؤدي النمو الاقتصادي السريع إلى مدخرات أعلى، الأمر الذي يؤدي بدوره إلى دعم النمو السريع.

لقد ظل الفارق في معدلات الادخار بين الصين والولايات المتحدة ينمو لعدة عقود من الزمان. ففي أوائل الثمانينيات من القرن الماضي كانت معدلات الادخار في الصين ضعف نظيراتها في الولايات المتحدة، والآن أصبحت معدلات الادخار في الصين خمسة أمثال نظيراتها في الولايات المتحدة. فما السبب وراء هذا الفارق الهائل؟

من المؤسف أن تفسير معدلات الادخار ليس بالعلم الدقيق. ولكن في بعض الأحيان، قد تكون أنماط الادخار واضحة إذا ما قارنا بين الدول. فالدول الغنية بالثروات النفطية تميل كثيراً إلى الادخار، والدول التي تعاني من أزمات داخلية أو صراعات تميل إلى الإقلال من الادخار. لكن أياً من هذه الأنماط لا ينبئنا بأي شيء عن الفارق بين الولايات المتحدة والصين.

قد يرجع جزء من الأسباب وراء ارتفاع معدلات الادخار في الصين منذ أوائل الثمانينيات إلى انحدار ثقة عامة الناس في الرعاية الصحية، ومعاشات التقاعد، والتعليم، والافتقار إلى الشعور بالأمان الوظيفي. لكن يبدو أن نفس العوامل تسلك ذات الاتجاه حين نتحدث عن الادخار في الولايات المتحدة أيضاً!

وربما تفسر العادات المتأصلة المزيد عن معدلات الادخار في الصين. فحين ترتفع معدلات الدخول بسرعة كبيرة، كما هي الحال في الصين، يكون الادخار أكثر سهولة، لأن الناس ليسوا معتادين على مستويات معيشة أعلى، أو لأنهم لا يمانعون كثيراً في البقاء عند مستوى معيشي أقل لمدة أطول. كما أنهم أكثر استجابة للسياسات الحكومية الرامية إلى تشجيع الادخار.

على سبيل المثال، كان الميل إلى ارتفاع معدلات الادخار في الصين قد بدأ تقريباً في ذات الوقت الذي انتهجت فيه الصين سياسة الطفل الواحد في العام 1979. وقد أدى ذلك إلى منع عودة معدلات المواليد إلى الارتفاع من جديد بعد الثورة الثقافية في الفترة من العام 1966 إلى العام 1976. وكان فرانكو موديجلياني، الخبير الاقتصادي الراحل الحائز على جائزة نوبل، قد أكد في بحثه الأخير الذي نشر في العام 2004 (بالاشتراك مع شاي لاري كاو) أن هذا التغير الديموغرافي يفسر قدراً كبيراً من الزيادة التي طرأت على معدلات الادخار، إذ نجحت الصين في إحلال الاستثمار في رأس المال محل الاستثمار في إنجاب الأبناء.

لكن نمو الدخل والعوامل الديموغرافية لا تفسر كل شيء. ذلك أن الحلقة المتكاملة المؤلفة من المدخرات المرتفعة والنمو السريع تعمل في الصين بشكل أكثر قوة من عملها في أي دولة نامية أخرى، حيث ترتفع الدخول وتنخفض معدلات المواليد. وهذا يشير إلى وجود عوامل أخرى أكثر عمقاً تشكل الأساس لهذا الفارق في معدلات الادخار بين الصين والولايات المتحدة، وهي عوامل تعكس خبرات حياتية مختلفة، فضلاً عن كيفية تنقية هذه الخبرات عبر الثقافات المختلفة لدى الدولتين.

فعلى الرغم من أن الشعب الصيني لا ينتخب زعاماته، إلا أنه يتسم بقدر أكبر من الثقة في حكومته. وطبقاً لاستطلاع آراء أجرته مؤخراً مؤسسة World Values Surveys، أعرب 96.7% من الصينيين عن ثقتهم في حكومتهم مقارنة بـِ37.3% فقط من الأميركيين. وعلى نحو مماثل، أظهر الاستطلاع أن 83.5% من الصينيين يرون أن بلادهم تُـدار من أجل كل الصينيين، وليس من أجل قِلة من جماعات المصالح. بينما ذهب 36.7% فقط من الأميركيين إلى نفس الرأي بالنسبة لدولتهم. وفي ظل هذه الثقة الأعلى نسبياً، سنجد أن الحكومة والمؤسسات الصينية أكثر قدرة على سن وتنفيذ السياسات الصارمة التي من شأنها أن تعمل على تشجيع الادخار والنمو.

فضلاً عن ذلك، فعلى الرغم من تصاعد التفاوت الاقتصادي في كل من الدولتين، إلا أن نظرة كل من الشعبين الصيني والأميركي إلى هذه المسألة تختلف تمام الاختلاف عن نظرة الآخر. ففي الولايات المتحدة التي يطلق عليها "أرض الفرص"، سنجد أن شعور الخزي بسبب الفقر أمر لا يطاق، كما أن من يعانون الفقر لا يجدون من الموارد الثقافية ما يمكنهم من الحفاظ على احترامهم لذاتهم، وبصورة خاصة حين يكون أداء الدولة ناجحاً للغاية في الإجمال. ومع تفاقم حدة التفاوت، فإن هؤلاء الذين يتخلفون يناضلون في سبيل حفظ ماء الوجه فيكثرون من الاستهلاك في محاولة للتخفي وراء مظهر النجاح. وفي ذات الوقت، فإن هؤلاء الذين يرتفعون من حالة اقتصادية متدنية يحتفلون بثرائهم الحديث بالانخراط في استعراض خاص للقدرة على الإنفاق الشخصي.

على النقيض من هذا، سنجد أن الفقراء في الصين ينظرون إلى وضعهم الشخصي باعتباره مرحلة انتقالية. ومازال الناس هناك يتذكرون الثورة الثقافية، ويعتبرون أنفسهم ممن كتبت لهم النجاة من خبرة مؤلمة مشتركة، الأمر الذي يلزمهم بالتضحية الجماعية من أجل إعادة بناء البلاد. لن نجد شعوراً بالخزي من الفقر في الصين، وذلك لأن المرء يدرك أن أبناءه أو أحفاده سوف يصيبون الثراء والنجاح ذات يوم. على العكس من ذلك، وكما حدث في ألمانيا بعد الحرب، كان من قبيل الكرامة أن يعمل المرء بكل كد واجتهاد سعياً إلى المرور عبر موقف عصيب سوف يُذْكَر لاحقاً باعتباره تحولاً تاريخياً.

في الولايات المتحدة يُعَد دخل المرء سراً عظيماً قد لا يبوح به حتى لزوجته. أما في الصين، فإن الناس يتحدثون عن دخولهم الشخصية بسهولة نسبية، وبصورة خاصة في القرى الصينية، حيث يعرف كل شخص مدى نجاح جيرانه. ومن هنا يصبح الاستهلاك المنافي للعقل أقل احتمالاً ما دام الناس يعرفون حجم دخلك بالفعل.

بطبيعة الحال، يستهلك الصينيون على نحو متزايد السيارات الفاخرة الجديدة، والملابس ذات العلامات التجارية الشهيرة، لكن الاستمتاع باستعراض القدرة على الاستهلاك يقل إلى حد كبير نسبياً حين تكون القصة الوطنية في الإجمال قصة نجاح وانتصار على الشدائد. ويميل الناس في هذه الأحوال إلى اختزان الحكايات التي سيقصونها ذات يوم على أحفادهم حول آلام الكفاح وبطولاتهم الاقتصادية.

من المرجح أن تستمر الصين لأعوام قادمة في التفوق على الولايات المتحدة في مجال الادخار، لكن هذا سيتغير مع تولي الجيل القادم للسلطة في الصين، ذلك أن أطفال اليوم لن ينظروا إلى قصص حياتهم من منظور المصاعب التي عاشتها الصين. ومع حدوث هذا التغيير فسوف تتضاءل هذه القدرة الهائلة على الادخار، ويتلاشى التسامح مع سياسات المبالغة في الادخار التي تنتهجها الحكومة الصينية.

روبرت جيه. شيللر أستاذ علوم الاقتصاد بجامعة ييل، وكبير خبراء الاقتصاد في مركز أبحاث الأسواق الشاملة (LLC) الذي شارك في تأسيسه (www.macromarkets.com)، وهو مؤلف كتاب "الوفرة الطائشة"، وكتاب "النظام المالي الجديد: المجازفة في القرن الواحد والعشرين".

خاص بـ"الغد" بالتنسيق بروجيكت سنديكيت، 2006.

التعليق