د.باسم الطويسي

كي لا يموت الخصم

تم نشره في الجمعة 15 أيلول / سبتمبر 2006. 03:00 صباحاً

بعد أقل من مائة عام ستكون "الحرب الاميركية على الإرهاب" واحداً من اثنين إما اكبر خدعة أو اكبر مصدر للألم في القرن بأكمله، وربما الاثنين معاً، بالفعل لا يراد لهذه الحرب الرمادية الغامضة ان تنتهي، أو ان تتنفس الصعداء كلما استبشر العالم نهاية لها، فكل الأدلة والأحداث، ومسار البرهنة في الخطابات المتناقضة تدل على ان كل الأطراف المتورطة فيها لا تريد لها ان تتوقف، ولا احد يريد ان يموت الخصم أو حتى الكشف بالأدلة عن موته. فكلما ذهبت الأحداث نحو نهاية قريبة لهذه الحرب يتم نفخ نارها من جديد.

الصورة التي يجب ان تروج، خلال الشهور القليلة القادمة، مضمونها؛ العالم أكثر أمنا وديمقراطية وحرية، كما يراه الرئيس الأميركي، والشعب الأميركي في الداخل أكثر خوفاً وقلقاً وانتظارا لمفاجأة جديدة بحجم تفجيرات أيلول وربما اكبر، هذه المعادلة هي الصيغة الملائمة للتعامل مع الاستحقاقات الانتخابية القادمة، وهي صيغة خطيرة وضعها فريق المحافظين الجدد، وفي الذهن نوايا ابعد من اللحظة الراهنة، وأهمها توفير البيئة والمناخ الملائم لتتجاوز هذه النخبة الفكرية الحزب الجمهوري تمهيداً للتغلغل في الحزب الديمقراطي الذي باتت فرصته أكثر وضوحا وقربا في الانتخابات القادمة، وكما هو معروف ان هذه النخبة ليست محتكرة على حزب بعينه، بل إحدى اخطر سماتها انها عابرة للأحزاب والمؤسسات السياسية. لذا، أصبح من الواضح ان الهدف الاستراتيجي الذي حدده المحافظون الجدد هو عدم الوصول إلى الهدف، كي لا يموت الخصم وتنتهي اللعبة.

أصبح لدى هذا الفريق وأركان الإدارة خبرة كبيرة في سياسات التخويف الداخلي، كلما اقترب استحقاق داخلي، عبر هندسة اجتماعية وسياسية يمارسها الإعلام بتقنيات عالية. ويعكس إحياء الذكرى الخامسة للتفجيرات هذا الاتجاه، بشكل درامي واضح. فما معنى ان يقوم فريق الرئيس بتوزيع خطابات متبادلة بين بن لادن والملا عمر منذ خمس سنوات، وبالطبع قبل ان يهرب الأخير على دراجة هوائية من كابول، يوعد فيها بن لادن بإسقاط الإمبراطورية الاميركية وتحويلها إلى دولة من دول العالم الثالث.

الشيخ اسامة بدوره حريص هو الآخر على ألا يموت الخصم. ولهذا لا يتوقف عن تقديم الهدايا الغالية للرئيس، صديقه اللدود، ومن خلفه، كما حدث في الشريط الجديد الذي يظهر المزيد من المشاركين في هجمات أيلول، وهم يدلون بوصاياهم الأخيرة، في توقيت ذكرى الهجمات الذي أراده الحزب الجمهوري بداية للحملة الانتخابية (حملة التخويف الداخلي)، وهي الانتخابات التي ستجري في تشرين الثاني القادم، وينتخب خلالها كامل مجلس النواب وثلث مجلس الشيوخ، الأمر الذي يكرر ما فعله في شريط انتخابات عام 2004 حيث يجمع الأميركيون أنفسهم بأنه كان من ضمن العوامل الأساسية التي رجحت الكفة لصالح الرئيس بوش مقابل منافسه الديمقراطي بفارق ضئيل.

الشريط الأخير لـ بن لادن يُوظف حالياً بمهارة في حملة التخويف الجديدة وعنوانها (الفاشية الإسلامية)، ويبدو ان كل من بوش وبن لادن حريص على استمرار الآخر واستثماره، وكل منهم يحسب أنفاسه وخطواته، كي لا يخسر الخصم.

العالم يدرك ان هذه الحرب لا طائل منها والوعي الشعبي الأميركي يذهب إلى هذه النتيجة. لذا، تبقى لعبة الخوف باستمرار الخصم هي سيدة الألعاب. يلاحظ على هذا الأساس بأن ثقافة التدمير والخراب تزدهر وتتفوق ليس في المستعمرات العربية الجديدة وحسب، ولا في البلاد التي حولتها صراعات الكبار التاريخية إلى خرائب منذ عقود، بل في الولايات المتحدة نفسها، في شبكة من التعقيد والصراع حول المصالح والأدوار تنال السياسة والاقتصاد معاً، في مرحلة لا سابق لها في تاريخ هذه البلاد منذ نهاية الحرب العالمية الثانية من الغموض والإرباك وغياب الكثير من معايير الشفافية.

باتت الإدارة تتصرف وكأنها شركة عملاقة قاربت من الإفلاس الأخلاقي والمادي معاً. وفي الذكرى الخامسة للهجمات تبدو الإدارة مفلسة في الداخل، وعاجزة حتى عن إعادة إعمار برجي نيويورك، وغاب الوعد الذي قطعته بأن ترتفع ناطحة سحاب؛ برج الحرية أو أيقونة الحرية، خلال فترة قصيرة، وهو المبنى الرمزي الذي كان من المفترض ان تفوق رمزيته تمثال الحرية الذي أهدته فرنسا للولايات المتحدة.

في العالم الخارجي كما في الداخل الأميركي تزدهر ثقافة التخويف في الوقت الذي تروج فيه المقولات بأن العالم أكثر أمنا مع ازدياد المعتقلات والسجون السرية، حيث غطت البقع السوداء التي أوجدتها السجون والمعتقلات الاميركية على كل تاريخ حقوق الإنسان وسير المعتقلات السرية وأسرارها، وعلى كل الحبر الذي كان يراق حول ما سمي (الثقوب السوداء) التي كانت تتحدث التقارير عنها حينما تتناول أحوال حقوق الإنسان في العالم الثالث.

الدولة العظمى، اكبر دولة راعية للحرية وحقوق الإنسان، تتحدث عنها تقارير حقوق الإنسان الصينية وتصفها بأكبر منتهكي هذه الحقوق في العالم، بينما لعبة التخويف تتقدم والعالم مخدر بالفعل. ومن المفارقات الأخرى، يكفي الإشارة إلى ان أفغانستان وحدها وتحت نعمة الاحتلال أصبحت تنتج 130% من حاجة العالم للمخدرات، و92% من استهلاك العالم من الهيروين اليوم مصدره أفغانستان الحرة، حسب تقرير حديث لمكتب مكافحة المخدرات والإجرام التابع للأمم المتحدة.

العالم أكثر أمنا في عيون الرئيس الأميركي وحده تحت حراب الحرب على الإرهاب، التي أودت بحياة (180) ألف إنسان ونتج عنها حوالي خمسة ملايين مشرد، وانفق فيها ما يفوق ما أنفقته الولايات المتحدة في كل حروبها التاريخية منذ الحرب الكورية حتى حروب البلقان الأخيرة، حسب آخر التقارير الغربية. ولأنها حرب لا يراد لها ان تنتهي سيبقى كل طرف حريصا ان لا يموت الخصم.

basimtwissi@hotmail.com

التعليق