"خطة التجميع" تنفذ ميدانيا

تم نشره في الأربعاء 13 أيلول / سبتمبر 2006. 03:00 صباحاً

يُكثر رئيس الحكومة الإسرائيلية، إيهود أولمرت، في الأيام الأخيرة، انه قرر التراجع عن تطبيق ما يسمى بـ "خطة التجميع" أحادية الجانب، التي تقضي بإخلاء بعض المستوطنات الصغيرة والنائية في الضفة الغربية، ودمج المستوطنين فيها، قرابة60 ألفا، في سبع كتل استيطانية، تضم قرابة 400 ألف مستوطن، بما فيها القدس المحتلة. ويزعم أولمرت انه توصل إلى هذه النتيجة، في أعقاب الحرب على لبنان، دون أن يردد ما يقوله إسرائيليون أن الحرب "أثبتت فشل المخططات أحادية الجانب".

فقد رأى محللون وسياسيون، أن الحرب على لبنان، التي يعتبرونها ردا دفاعيا من جانب إسرائيل، قضت على المخططات أحادية الجانب، فباعتقادهم أن إسرائيل انسحبت "بشكل أحادي الجانب" من جنوب لبنان، كما فعلت ذلك في قطاع غزة، وفي كلا الحلبتين، واجهت إسرائيل تدهورا أمنيا، وهذا عمليا نقطة التقاء لتوجهين، الأول يرفض الانسحابات كليا، والثاني يدعو لمفاوضات واتفاقيات قبل انسحابات كهذه.

ومن الواضح أن كل ما فعلته إسرائيل في قطاع غزة هو إخلاء القطاع من المستوطنات، لكنها واصلت إحكام سيطرتها على قطاع غزة، من البحر والبر والجو وحولته إلى سجن كبير لحوالي 1,2 مليون فلسطيني. إلا ان "خطة التجميع"، التي عولجت هنا مرارا، مليئة بالأخطار بالنسبة للفلسطينيين، وحتى أن خطورتها أقسى مما جرى ويجري في قطاع غزة.

السؤال الذي يجب ان يسأل: هل حقا إسرائيل تراجعت عن هذه الخطة الاستيطانية، التي تغلفها بانسحابات محدودة، لتواصل السيطرة عمليا على أكثر من نصف مساحة الضفة، وتحول النصف الآخر إلى سجن كبير، على شكل كانتونات فلسطينية منفصلة عن بعضها؟

إن ما يجري على أرض الواقع يثبت ان إسرائيل تسارع في تطبيق هذه الخطة، من خلال الإسراع في بناء جدار الفصل العنصري، الذي سيفرض حدودا من جانب واحد مع الضفة الغربية، ناهيك عن ارتفاع وتيرة البناء في المستوطنات، وأخطرها في محيط القدس.

جدار الفصل العنصري، الذي زعمت إسرائيل بداية بأنه إجراء أمني غير ثابت، تحول إلى أكبر مشروع بناء إسرائيلي في السنوات الأخيرة، إذ يبلغ طوله قرابة 740 كيلومترا، وهو العمود الفقري لخطة أولمرت التي تسمى بـ "خطة التجميع"، وعند إنجازه، فإن أولمرت يكون قد انجز الخطة التي ورثها عن شارون، من دون الإعلان عن هذا جهارة.

وعلى ما يبدو فإن ما خططت له حكومة أولمرت الجديدة يجري تنفيذه، وهو إنهاء لا أقل من 60% من الجدار حتى نهاية العام الحالي، لينجز الجدار كليا حتى نهاية العام القادم 2007. وبالتوازي مع بناء الجدار فإن سلطات الاحتلال تحول عدة حواجز عسكرية إلى معابر حدودية بكل ما في الكلمة من معنى، في عدة نقاط في عمق الضفة، وبشكل خاص في محيط القدس المحتلة، من رام الله شمالا وحتى بيت لحم جنوبا.

كثيرة هي انعكاسات الحرب السياسية والاقتصادية، على الصعيد الداخلي الإسرائيلي، وبشكل خاص على مستقبل العملية السياسية في المنطقة، ولربما يجب الانتظار قليلا حتى تتضح الصورة أكثر. لكن مما يلاحظ ان هناك سؤالا بدأ يُطرح بشكل أولي على مستوى الشارع الإسرائيلي وهو: "ماذا بعد؟"، ها هي الأمور تدهورت مع الجانب الفلسطيني من جديد، وتفجرت الحدود الشمالية ثانية مع لبنان، والعلاقات مع الدول العربية في تراجع مستمر.

ومن مؤشرات هذا الجدل ما قرأناه، في الأيام الأخيرة، من دعوات للقيام بقفزة نوعية على المسار الفلسطيني، إلا أن أولمرت، الذي ضعضعت الحرب مكانته، لن يجرؤ على القيام بأية مبادرة سياسية، بخاصة وأنه منذ البداية كانت جعبته خاوية من أي شيء يبشر بانفراج حقيقي.

فمثلا المحلل السياسي البارز في صحيفة "هآرتس" ألوف بن، يقول للرئيس الفلسطيني محمود عباس، إنه "من الأفضل ان لا يبني آمالا أكثر من اللازم على لقائه بأولمرت، الذي يطلب تطبيق خارطة الطريق، بكل مراحلها، والبدء بالمرحلة الأولى، التي تطالب الفلسطينيين بنزع أسلحة التنظيمات الإرهابية (حسب المصدر)، واحتمال هذا صفر، إلا أن خارطة الطريق المقبولة على العالم وتضمنها قرارات الأمم المتحدة، فإن الالتزام بها كان مناورة من أريئيل شارون، وتبنى أولمرت المناورة بتشوق، لأن إسرائيل تستخدمها لاستبعاد العديد من المبادرات غير المريحة لها، مثل المؤتمر الدولي".

تقول المحللة السياسية يعيل غبريتس، في صحيفة يديعوت أحرنوت، "لا يمكن ان نتوقع شيئا الآن من رئيس الحكومة (الإسرائيلية)، فبعد أن بادرت يداه لحربين فاشلتين، في لبنان وغزة، يدعو الآن للبحث عن وسيلة لاستئناف العملية السياسية، ولكن إذا لم يسارع أولمرت لاستئناف العملية السياسية فإنه سيجد أن الجيش الإسرائيلي فجر جميع الطرق المؤدية إلى استئناف العملية السياسية".

وتقول غبريتس، في مقالها، "إن 53% من 76 قتيلا (شهيدا) فلسطينيا في شهر آب (أغسطس) الماضي، لم يشاركوا في القتال، ونصفهم من القاصرين والأطفال، لقد اختطفنا نصف حكومة، وزرعنا الدمار والجوع، فما الذي حققناه؟".

إن المهمة الأساسية التي حددها أولمرت لنفسه في هذه المرحلة هي الحفاظ على حكومته، وعلى ائتلافه، على الأقل حتى نهاية العام الحالي، ولهذا فإنه لن يكون معنيا بفتح جبهة مواجهة سياسية ضده أمام معارضيه، فهو يعلم أنه على الرغم من جميع أخطار الخطة من منظور فلسطيني، وما تضمنه لإسرائيل من استمرار سيطرة استيطانية، إلا ان الخطة لا تحظى "برضا" قوى اليمين الإسرائيلي، نظرا لأن فيها انسحابات محدودة جدا.

في الوقت نفسه فإن أولمرت يرى ان إسرائيل تمر في أجواء ملائمة جدا لها على المستوى الدولي، وهي أجواء مناسبة لتمرير أخطر المخططات الإسرائيلية من دون معارضة دولية فعلية، ويتخوف من عدم استمرارها في حال جرى تغيير في الإدارة الأميركية بعد عامين، أو في الأجندة السياسية الأميركية.

ولهذا فإن أولمرت سيواصل التحدث عن "تجميد" مزعوم للخطة، ولكنه على أرض الواقع ينفذها وبسرعة، ليضع معارضيه في الحلبة الإسرائيلية، وأيضا الفلسطينيين، أمام واقع تكون فيه هذه الخطة تحصيل حاصل. 

صحافي وكاتب سياسي- الناصرة

bjaraisi@yahoo.com

التعليق