أيمن الصفدي

عالم أقل أمناً

تم نشره في الاثنين 11 أيلول / سبتمبر 2006. 03:00 صباحاً

يتوقف العالم اليوم عند الذكرى الخامسة للعمليات الإرهابية التي قتلت آلاف الأبرياء في نيويورك وواشنطن في التاسع من ايلول (سبتمبر) 2001. فريضة أخلاقية أن يقف العالم موحداً في إدانة ذلك السقوط الإنساني الذي استباح دم الأبرياء في جريمة عدمية عبثية غير مسبوقة. وهذا موقف اتخذته كل دول العالم، إدراكاً منها للهوية الوحشية للإرهاب، وتمسكاً بالقيم الإنسانية المقدِّسة للحياة والرافضة للقتل العبثي.

بيد أن الإخفاق الأميركي في إدارة الحرب التي أعلنتها واشنطن مذ ذاك اليوم على الإرهاب حوّل تاريخاً كان يجب أن يجمع العالم إلى بداية لصراع وضع حضارات ودولاً على طريق الانقسام والتصادم الحضاري والاقتتال الديني.

تعاملت إدارة جورج بوش مع جريمة 11 أيلول بعقلية انتقامية فحوّلت العالم كله إلى ساحة صراع وأسهمت في خلق بيئة أنتجت آلاف اليائسين المحبطين فاقدي الإيمان بإمكانية إنصاف المظلومين وجعلت منهم فريسة سهلة للتضليل والاستغلال.

والنتيجة أن قوى الإرهاب ما تزال قادرة على تهديد أمن الأبرياء واستباحة سكينة الآمنين بعد 5 سنوات من هجمات 11 أيلول.

العالم اليوم، وعكس ما يروج له بوش وماكنته الإعلامية، أقل أمنا مما كان قبل 5 سنوات. والأخطر أن صدام الحضارات ورفض الآخر باتا في مناحٍ عديدة حقيقة يدفع ثمنها المعتدلون ودعاة العيش المشترك في الغرب والشرق في آن.

أخطأ بوش إذ أخفق في جعل الإجماع العالمي على إدانة أحداث 11 أيلول نقطة انطلاق لجهد دولي مشترك للقضاء على جذور الإرهاب والتصدي للفكر الذي ينشره.

ولعل إخفاق أميركا الأكبر يكمن في تقزيم الحرب على الإرهاب إلى عمليات عسكرية من دون الالتفات إلى أن مكافحة الإرهاب هي في الأساس حرب فكرية ثقافية عمادها تعاون أممي لتعرية الفكر الإرهابي وحل الصراعات الإقليمية التي يستغلها الإرهابيون لنشر الفكر الضلالي.

وها هو الرئيس بوش يستذكر جريمة 11 أيلول بخطاب قومجي سطحي يسعى إلى إبقاء شعبه أسير الخوف من الإرهاب بدلاً من الاعتراف بفشل سياسته والبحث عن شركاء دوليين لمواجهة هذا الخطر الأممي بوعي وعقلانية.

دفع العرب والمسلمون ثمناً باهظاً لتعطش الإدارة الأميركية إلى حرب فرض هيبة وجنوحها نحو اعتماد منطق القوة في التعامل مع قضايا العالم.

فقد أهمل المجتمع الدولي القضية الفلسطينية، أساس الصراع في الشرق الأوسط. وجاءت النتيجة توغلاً إسرائيلياً في استباحة حقوق الفلسطينيين وقتلاً لعملية السلام.

وما يزال العراق بعد أكثر من ثلاث سنوات من سقوط ديكتاتورية صدام حسين يدفع دم أبنائه ثمن السطحية الأميركية وهشاشة الأوضاع التي خلقها الاحتلال الأميركي.

ويعيش الشرق الأوسط برمته حالاً من الإحباط واليأس ويشعر أبناؤه بأن الحرب على الإرهاب هي استهداف لهويتهم وقيمهم ومحاولة لفرض الهيمنة الأميركية على دولهم وفكرهم وأسلوب حياتهم.

الحرب على الإرهاب فشلت. وتتحمل الإدارة الأميركية وحدها مسؤولية مساعدة زعيم الإرهاب أسامة بن لادن على تقسيم العالم إلى فسطاطين، وإضعاف أصوات الاعتدال والعقلانية في المنطقة.

وذلك أمر تحتاج أميركا أن تتذكره وهي تحيي ذكرى ذلك اليوم العصيب في تاريخ أميركا والبشرية، علها تقر بأخطائها وتصحح سياساتها، فتبني شراكة دولية تسعى إلى إنصاف المظلومين ودحر الفكر الإرهابي بالاعتماد على نشر فكر تنويري مضاد.

أعلنت أميركا الحادي عشر من أيلول يوما وطنياً. وكان يجب أن يكون هذا التاريخ يوماً عالمياً لرفض الإرهاب والسعي نحو العدالة. لكن تلك فرصة أضاعتها واشنطن إذ مارست أحادية مرتكزة إلى منطق القوة وتهميش الآخر والتنكر لحقوقه في معركة هي، بأسبابها وآثارها، معركة عالمية.

التعليق