مبدعون منسيون !

تم نشره في الخميس 7 أيلول / سبتمبر 2006. 02:00 صباحاً

 

على امتداد الجغرافيا الاردنية التي نحب، ثمة طاقات وابداعات تنتظر الدعم والاسناد بالفعل لا بالقول، بيد ان تلك الطاقات تصطدم بتجاهل القطاعين الخاص والعام. وينتهي الامر ان تتلاشى القيمة العلمية لعدد من الشباب الذين جدوا واجتهدوا او تستقطبهم المنافي البعيدة ، بينما تبقى بلادنا ضمن تصنيف الدول غير المبدعة استنادا الى غياب او ضعف البحث العلمي فيها!

بشار البطوش نموذج لهؤلاء الشباب المبدعين، فهو لم يكمل ربيعه السادس عشر وتمكن هذا العام من التوصل الى نظرية في الرياضيات حول جذور الاعداد المربعة، وهي النظرية التي استغرقت من هذا الشاب المبدع بضعة شهور واستندت الى ما يسميه بشار "الحدس الرياضي للتحقق من جذور الاعداد المربعة".

الامر لم يتوقف عند هذا الحد، بل ان بشار بصدد الانتهاء من نظرية جديدة في الرياضيات قد يعلن عنها اواخر هذا العام، بيد ان تلك المنجزات العلمية للشاب الصغير لا تلقى اهتماما من مستثمري القطاع الخاص المحلي او المسؤولين الحكوميين، فليس ثمة من يدعم ابداع بشار وهو الذي يحلم بمختبر خاص وتفرغ للبحث العلمي لمواصلة التثبت من فرضيات ونظريات توصل اليها من خلال جهد علمي متواصل واعترف بها اساتذة جامعيون في تخصص الرياضيات. حلم بشار ليس معجزة لكنه بات صعبا في ظل تجاهل مؤسساتنا للمبدعين بصفة عامة.

النظرية التي سجلت باسم بشار وهو ابن الطيبة في الكرك الذي يدرس في واقع متواضع نسبيا على اكثر من صعيد لم تلق اهتماما يذكر، فلقد سجلت في شهر ايار الماضي واستغرق الامر ثلاثة اشهر حتى تقوم وزارة التربية والتعليم في شهر اب الماضي بارسال كتاب شكر حول ما انجزه بشار ولكن ليس اليه مباشرة وانما لمدير تربية لواء المزار الجنوبي ! ولم يتبع ذلك أي شكل من أي اشكال الدعم لوعي هذا الشاب الذي يستحق الدعم فعلا، عن أي دعم علمي نتحدث؟

كان كتاب الشكر هذا الذي تأخر ثلاثة اشهر هو شكل ومضمون الدعم الحكومي، وفي المقابل لم تتقدم أي مؤسسة خاصة بما يمكن تسميته دعما للمنجز العلمي الجديد لبشار، فيما تزيغ ابصارنا بالاعلانات الكثيرة التي نراها صباح مساء لبنك كذا وشركة فلان حول المساهمات الخيرية للمستثمر الفلاني. وكل ذلك بهدف مواجهة مرضية مع الضريبة في نهاية العام. لكن الفتى الجنوبي وامثاله من المبدعين ليسوا في ساحة الدعم التي تضيق وتتسع وفقا لمصالح المستثمرين.

الاموال التي تنفق على البحث العلمي في الدول العربية تدعو للسخرية وللتساؤل في ان معا، فهي اموال قليلة لا تسمن ولا تغني من جوع، ومن خلال مقارنة بين ما تنفقه اسرائيل على البحث العلمي وما ينفقه العرب يتضح الفارق بين طرفي المقارنة التي ليست في صالح العرب منذ قامت لهم دول، فتقرير التنمية البشرية السنوي الصادر عن الامم المتحدة يفيد ان اسرائيل تنفق 2.5 % من ناتجها المحلي الاجمالي على البحث العلمي بينما تنخفض النسب لدى الدول العربية الى 0.6 % في الامارات، 0.2 % في الكويت، 0.3 % في الاردن ، 0.3 % في تونس، واقل من 0.3 % في سورية، وهو ما يدلل على ان الدول العربية (النفطية وغير النفطية ) ليست معنية بالبحث العلمي او بالعلماء او المبدعين.

مخجل ما تطالعنا به الميزانيات للشركات فثمة بند يسمى "مخصصات البحث العلمي"؛ واذا ما سألنا عن تلك المخصصات وسبل انفاقها نجد بأنها تذهب الى رحلات الاستجمام للمديرين ومن والاهم من الموظفين ليس اكثر. الى متى يستمر هذا العبث؟  

التعليق