هل ازددنا حكمة بعد انقضاء خمسة أعوام؟

تم نشره في الخميس 7 أيلول / سبتمبر 2006. 03:00 صباحاً

مع اقتراب الذكرى السنوية الخامسة للهجمات التي شنها تنظيم القاعدة على الولايات المتحدة في الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001، يتعين علينا أن ننتهز الفرصة لتقييم رد الولايات المتحدة والمجتمع الدولي على ذلك الحدث الجلل. من الواضح أن تلك الهجمات وردود الأفعال المترتبة عليها قد تسببت في قدر هائل من التغيير في العلاقات الدولية، ولكن من الصعب أن نزعم أن ارتكاب المزيد من هذه الأعمال الوحشية أصبح أقل احتمالاً نتيجة لذلك التغيير. تُرى لماذا لم نصبح أكثر أماناً مما كنا عليه قبل خمسة أعوام مضت؟

في غضون أسبوع من وقوع الهجمات أعلن الرئيس جورج دبليو بوش "حرباً ضد الإرهاب". وكانت لهذه الاستعارة ميزة واحدة تلخصت في استحضارها الواضح القوي للهجوم المضاد المكثف الذي نادى به كثيرون. فضلاً عن ذلك فإن استعارة الحرب تشكل مناشدة ضمنية ودعوة إلى التعبئة المكثفة، ليس فقط من قِبَل الدولة التي تعرضت للهجوم، بل وأيضاً من جانب الأصدقاء والحلفاء.

بطبيعة الحال، لا أحد يشكك في حق أميركا في الدفاع عن نفسها. ولم تكن مشروعية الهجوم المضاد العنيف موضع تشكيك قط. لكن استعارة الحرب تحمل أيضاً دلالات ضمنية مضللة وهدامة، ولا مفر منها حين يتم توظيف هذه الاستعارة في التعامل مع الإرهاب.

فالحرب كلما اسْتُحضرت تعني ضمنا القتال ضد أمم وشعوب ودول. فهي تفترض ضمنا أن كل الإرهابيين والسكان المقيمين في تلك الدول يعتبرون من بين الأعداء. والحرب تعني ضمناً جيوشاً وهياكل قيادية يمكن تمييزها، إن لم يكن التعرف عليها بوضوح؛ وفي كل الأحوال فإن الحرب تستلزم مواجهة عسكرية مع عدو محدد.

وفي كل من هذه النقاط سنجد أن مفهوم الحرب "ليس مفيداً"، إذا ما أعدنا صياغة تعبير وزير دفاع الولايات المتحدة دونالد رمسفيلد. وحتى إذا ما كان حجم هجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول على ذلك القدر من الضخامة الذي يجعل الجيش الأميركي فقط قادراً على مواجهة ذلك التحدي، فإن التعامل مع تهديد وطني بصورة خاصة وليس دولياً يدخل من الناحية الفنية في نطاق الأساليب الشرطية وليس التكتيكات العسكرية.

لقد أصبحت العواقب السلبية المترتبة على هذه الرؤية الخاطئة واضحة جلية بعد فترة وجيزة. وبات من المعروف على نطاق واسع الآن أن حكومة الولايات المتحدة، ربما على نحو غير واعٍ، قد تبنت صورة شديدة التشوه لتنظيم القاعدة، فصورته وكأنه منظمة مرتبة ترتيباً هرمياً تتمتع ببنية قيادية محبوكة إلى حد الكمال؛ وهو النموذج المثالي لعدو يستطيع الجيش الأميركي أن يهاجمه ويدمره.

لكن كلمة القاعدة - والتي تعني أيضاً المعسكر، الذي لا يزيد على كونه نقطة للتجميع والتدريب- توحي على الأرجح بمجال ضبابي من النفوذ، وتشتمل على أفراد وخلايا محلية صغيرة تعمل بمبادرات شخصية ونادراً ما تتعاون، ولا يأتي هذا التعاون إلا في تنفيذ العمليات الضخمة. ولم يثبت أن الهجمات التي شهدتها لندن، أو مدريد، أو بالي في الأعوام التي أعقبت هجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول، أو مهاجمة السفينة الحربية الأميركية USS Cole في عام 2000، تعكس وجود "مركز" تولى تنسيق هذه العمليات أو إصدار الأوامر بتنفيذها.

من الخطأ أيضاً أن نجمع بين "الإرهاب الإسلامي" وبين إرهاب منظمة ETA في إقليم الباسك، أو نمور التاميل في سريلانكا، أو الجيش الجمهوري الأيرلندي. ذلك أن هذه الجماعات لها قواعد إقليمية وترمي إلى تحقيق أهداف وطنية، أما "الإرهاب الإسلامي" فهو من عمل عدد ضئيل للغاية من الأفراد الذين يسعون إلى الانتقام بعد قرون طويلة من "الإذلال" الذي تجرعه العالم الإسلامي، والذي كان نتيجة للاستعمار، وغياب التنمية الاقتصادية، والضعف السياسي. وهدف "الإرهاب الإسلامي" لا يقل عن تدمير "هيمنة" العالم الغربي، على الرغم من رغبة أغلب الدول الإسلامية في الحياة في سلام في إطار المجتمع الدولي والتعاون في صياغة إستراتيجيات تنموية إيجابية وفعّالة.

إن الإستراتيجية الوحيدة القابلة للتطبيق في مواجهة تهديد "الإرهاب الإسلامي"، كانت وستظل دوماً، البحث عن اتفاق بين المسلمين وبين زعماء الدول الإسلامية بشأن أشكال التعاون المشترك، بما في ذلك التعاون الشرطي الذي بات ضروريا لعزل وإضعاف أو تدمير المقاتلين الذين يعيشون بينهم. والحقيقة أن هذا مشروع طويل وصعب التنفيذ، ولكن لا بديل عنه.

ما يحدث على أرض الواقع هو أن استعارة الحرب ما زالت مستمرة في تحديد ردود أفعال الولايات المتحدة والعديد من حلفائها. وقد ترجع الجاذبية في هذه الاستعارة إلى الثقة المفرطة التي يضعها الأميركيون، ليس فقط في جيشهم، وهو أمر مفهوم، بل وأيضاً في عنصر القوة بصورة عامة، وهو ما لا نجد فيه أي منطق، خاصة وأننا نعتبر الشعب الأميركي شعباً ذكياً. وأياً كان الأمر فإن صياغة الكفاح ضد الإرهاب باعتباره حرباً كان السبب في دفع صانعي القرار الأميركيين إلى مضاعفة وتكثيف العمليات العسكرية العنيفة التي لا حظ لها على الإطلاق في الفوز بقلوب وعقول المسلمين في العالم الإسلامي. بل إن الأمر على العكس من ذلك تماماً.

كانت أفغانستان الحالة الوحيدة التي كان اللجوء فيها إلى الرد العسكري مفهوماً: فقد منحت حكومتها تنظيم القاعدة موطناً إقليمياً مؤقتاً. أما توريط العراق الذي لم يكن على أية علاقة بتنظيم القاعدة أو هجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول، فهو الخطأ الفادح الذي أسفر عن تعزيز وتقوية المتطرفين الإسلاميين، بل وربما ساعدهم في تجنيد الإرهابيين. فضلاً عن ذلك، فقد أدت ردود الأفعال الأميركية إلى تعزيز اقتناع إسرائيل بفعالية السبل العسكرية، الأمر الذي أدى إلى الحرب الأخيرة في لبنان والغزو المستمر لقطاع غزة.

ولم يحرك المجتمع الدولي ساكناً نتيجة لعجزه وضعفه. والحقيقة أن قسوة ووحشية السلوك الأميركي - الذي أسفر عن وقوع ضحايا تقدر أعدادها بأضعاف أضعاف ضحايا الحادي عشر من سبتمبر/أيلول- من بين الأسباب التي أعاقت أية محاولات مجدية للتدخل من قِـبَل دول مثل الجزائر، والمغرب، والأردن، والمملكة العربية السعودية، أو الإمارات العربية المتحدة. وعلى نحو مماثل فقد أدت جاذبية الحرب إلى استبعاد احتمالات إقامة مفاوضات جادة بين إسرائيل وسورية ولبنان. وبمهاجمة الدول الإسلامية الواحدة تلو الأخرى، تكون الولايات المتحدة قد نجحت هي وحلفاؤها في خلق الانطباع بأن الإسلام هو العدو، الأمر الذي أدى بصورة حتمية إلى "صدام الحضارات" الذي تزعم أميركا أنها تريد أن تتجنبه.

الإستراتيجية الأميركية أثبتت فشلها. فالقوة وحدها غير قادرة على إنجاز كل شيء. ويتعين على المجتمع الدولي أن يعلن بوضوح أن الإسلام ليس عدواً لنا، وأننا لا بد وأن نتبنى سبلاً أخرى في مكافحة الإرهاب. أما الزعماء السياسيون المسلمون فلابد وأن يعلنوا من جانبهم وبالقدر نفسه من الوضوح أن الإرهاب ليس خياراً لهم. وإذا ما نجح كل من الجانبين في كبح وتقييد انحرافاته المهلكة، فلسوف يولد الأمل في التسوية الثقافية والسياسية من جديد.

ميشيل روكار رئيس وزراء فرنسا الأسبق وزعيم الحزب الاشتراكي، وهو عضو في البرلمان الأوروبي.

خاص بـ"الغد" بالتنسيق مع بروجيكت سنديكيت

التعليق