ليست "الهزيمة الإسرائيلية" الأولى

تم نشره في الأربعاء 6 أيلول / سبتمبر 2006. 03:00 صباحاً

يكثر الحديث في الآونة الأخيرة، في إطار التقييمات للعدوان الإسرائيلي على لبنان، بان هذه المرّة الأولى التي "تنهزم" فيها إسرائيل، ولربما تأخذ الحماسة البعض إلى استنتاجات مبالغ فيها، لكن ما هو أخطر أنها تشطب تجارب الماضي وحقائق تاريخية، فيما يتعلق بالمواجهة بين إسرائيل والعرب.

من الواضح ان كل مسيرة معينة تحتاج إلى تقييم مرحلي، لدراسة تجارب المرحلة ومقارنتها بالماضي، والاستفادة من العبر المستخلصة بهدف التقدم إلى الأمام نحو تحقيق الهدف، ونحن أمام تجربة لا يمكن الانتقاص من أهميتها وما حققته من إنجازات. لكن مصلحة التجربة الحالية تقتضي تقييمها بمقاساتها الطبيعية، ودراسة إخفاقاتها قبل إنجازاتها، إذا كان الهدف هو الاستفادة من دروس المرحلة، وكل مغالاة ومبالغة إنما ستسيء لهذه التجربة ولجاهزية مواجهة تحديات مستقبلية، وهذا ليس مدعاة لبث أجواء الإحباط، وإنما لمنع التفاؤل المفرط من حجب الرؤية الواقعية لما يجري.

  إسرائيل تلقت حقا ضربات موجعة، أصابت غطرستها العسكرية أكثر مما أصابت بنيتها التحتية وجبهتها الداخلية، وجعلتها تواجه واقعا مختلفاً فحواه أنها معرضة أيضا لتلقي الضربات، حتى وإن كان هناك فرق شاسع بين مستوى الأضرار في كلا الطرفين، لكن في الوقت نفسه فنحن لسنا أمام حالة إنهيار إسرائيلي كامل، على العكس، فإن القدرات العسكرية الخطيرة على المنطقة لا تزال على حالها، وقد تسعى إسرائيل إلى اشتعال جديد لربما بعد فترة، فقط من أجل ان تعيد لنفسها قوة الردع.

  هذا لا يعني ان إسرائيل لم تهزم، فالهزيمة هنا لا تعني استسلاما أو رفع الراية البيضاء، وإنما هزيمة سياسية ومعنوية، لأن إسرائيل وضعت أهدافا للحرب عجزت عن تحقيقها، وهي تعترف الآن ضمنا وعلى لسان خبرائها، وحتى بعض مسؤوليها، بأن الأهداف التي وضعتها الحكومة والجيش، تنم عن عنجهية استعلائية تقلل من شأن الطرف الآخر، فيما الواقع الذي اصطدمت به مخالف للوضع الذي افترضته.

 إذاً، نحن أمام هزيمة سياسية، ملخصها الأساسي هو أن إسرائيل اصطدمت بالواقع وفشلت في تحقيق أهدافها، ومن باب الدقة في معالجة تجارب الماضي، ومن منطلق الاستفادة وليس المنافسة، يجب القول ان هذه ليست المرّة الأولى التي تهزم فيها إسرائيل بهذا الشكل، ليس الأمر سهلا، إذا ما عرفنا طبيعة العقلية الصهيونية، التي تقود إسرائيل.

إن أول مرّة اصطدمت فيها إسرائيل بقوة بالواقع، كانت خلال الانتفاضة الشعبية الفلسطينية، التي انطلقت في نهاية العام 1987، ولم يكن لها ثان من حيث الزخم الشعبي والنموذج النضالي الذي أحدثته، ليس على مستوى الشعب الفلسطيني فحسب، وإنما على مستوى حركة التحرر الوطني في العالم.

  وإذا أردنا بعد سنوات كتابة تاريخ إسرائيل، فإننا سنجد ان هذا التاريخ منقسم إلى مرحلتين أساسيتين، منذ قيامها وحتى اندلاع الانتفاضة، ومنذ الانتفاضة وحتى اليوم، وبطبيعة الحال فإن لكل مرحلة هناك فترات مختلفة ولكنها مرتبطة بطبيعة المرحلة، والمقصود من هذا التقسيم، هو انه حتى اندلاع الانتفاضة كانت تصر إسرائيل على عدة أسس تقود سياستها الاستراتيجية، وفي صلبها عدم الاعتراف بوجود شعب فلسطيني له حق بتقرير المصير وقيام دولته المستقلة، ناهيك عن الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية. ومبدأ "عدم الاعتراف" جعل إسرائيل ترفض كليا أي حديث عن مفاوضات وعن ضرورة انسحاب من أي شبر من المناطق الفلسطينية، وراهنت إسرائيل كثيرا، طوال عشرات السنوات، على "تبخر" القضية الفلسطينية بفعل العامل الزمني.

  إلا أن الانتفاضة الشعبية الفلسطينية، بشكلها النضالي، اخترقت المعسكر الغربي حتى في ظل انقسام العالم إلى معسكرين متناحرين، وحوصرت إسرائيل عالميا، وضُرب اقتصادها، ونجحت الانتفاضة في إحداث شرخ في الساحة الإسرائيلية الداخلية وقلب موازين سياسية، وقد وصل التضامن العالمي مع الشعب الفلسطيني إلى درجة إحراج الحليف الاستراتيجي الأكبر لإسرائيل، الولايات المتحدة، في فترة الرئيس جورج بوش الأب.

ومنعا للاطالة في سرد تاريخ قريب، فهناك ضرورة للاعتراف، بأنه على الرغم من النقاش حول مؤتمر مدريد في العام 1991، وهو نقاش مشروع، إلا أنه من الناحية الإسرائيلية، كان هذا بمثابة رضوخ إسرائيلي للأمر الواقع، وقد يقول قائل، إن إسرائيل أرادت هذا المؤتمر مهربا لها، وقد يكون الأمر صحيحا، ولكن مجرد أن تبحث إسرائيل عن مهرب فإن هذا يدل على ضائقتها.

  أما الحدث الثاني فهو اتجاه إسرائيل للاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية والشروع بمسار اوسلو، ومن باب تسجيل موقف لا أكثر، فقد كانت لي انتقاداتي الجوهرية لمسار لأوسلو منذ لحظاته الأولى، ولكن في الوقت نفسه يجب الاعتراف، بأنه على الرغم من كل الملاحظات والانتقادات، فإن هناك جوانب ايجابية في هذا المسار، تستغلها حتى الجهات المعارضة لهذه الاتفاقيات إلى يومنا هذا، ومن ضمن هذه الجهات حركات يسارية وأصولية على الساحة الفلسطينية.

  لم يكن سهلا على المؤسسة الإسرائيلية الاعتراف بمنظمة التحرير، لا بل كان الإجراء الإسرائيلي على مضض، ولا نريد الغرق في القشور والشكليات، لكن هناك أمر رمزي عكس النفسية الإسرائيلية في تلك الفترة، فحين وقّع رئيس الحكومة الإسرائيلية الأسبق، يتسحاق رابين، في مكتبه وأمام وسائل الإعلام، على الوثيقة الإسرائيلية التي تعترف بمنظمة التحرير الفلسطينية، فقد وقع بقلم حبر بسيط جدا، وعلى هذا علّق المحللون كثيرا، وقالوا انه يعكس نفسية رابين الذي اجتاز بهذا التوقيع هوّة كبيرة في التفكير والتوجه. ومنذ تلك الفترة، دخلت إسرائيل في مرحلة تخبط سياسي لا تزال مستمرة حتى اليوم، بعد أن أيقنت حقيقة إنهيار أسس جدية في الأيديولوجية الصهيونية، وانهيار "البقرات المقدسة" التي بنت إسرائيل نفسها عليها، فالأزمة الحاصلة في إسرائيل هي أزمة أيديولوجية سياسية، أدخلت المجتمع الإسرائيلي برّمته في متاهة سياسية، ويتخبط بين جدرانها في البحث عن مخرج له منها، وهذا ما نراه في نتائج الانتخابات البرلمانية في السنوات العشر الأخيرة، وفي كل مرّة يصطدم هذا المجتمع، بواقع ان خياره لن يقوده إلى "بر الأمان" الذي يبحث عنه.

  من هنا نقول، إن هذه ليست المرّة الأولى التي لم يتم فيها تغييب إنجازات الماضي، التي هي، ما من شك، مهدت لإنجازات الحاضر، نحن اليوم نعيش في عصر تطور إعلامي تقني كبير، يسمح لنا ان "نتفرج" على الحروب والمعارك بالبث الحي المباشر، ولربما لهول ما نراه يجعل البعض ينسى ما مر علينا حينما لم يكن إعلام بهذا الزخم.

لقد ظهرت في السنوات الأخيرة، على الساحات الفلسطينية المتعددة والعربية المختلفة، قوى سياسية جديدة، تحمل أجندات جديدة، ومنها من يعتقد ان التاريخ بدأ لدى عند ظهوره على الملأ، بينما لا يحق لأحد أن ينسف التاريخ ويقلل من شأنه، أو أن يشكك به، فالانتفاضة الشعبية كانت ثمرة تجربة تراكمية، وكذلك فإن تلك الانتفاضة انضمت إلى هذا التراكم النضالي الذي يستفيد منه "المناضلون الجدد" اليوم.

لا يمكن لأحد خطف ما حققته المقاومة اللبنانية في معركتها الأخيرة، وكذلك لا يمكن لأحد أن يختطف من الشعب الفلسطيني بطولات مشرقة، حين لم يكن "البث المباشر" بهذا القدر من القوة!.

صحافي وكاتب سياسي- الناصرة

bjaraisi@yahoo.com

التعليق