خمس ملاحظات عابرة على هامش حرب لبنان

تم نشره في الثلاثاء 29 آب / أغسطس 2006. 02:00 صباحاً

أولاً- عن الألم والانتصار: لم يعد أحد يتحدّث عن مجزرة قانا وعن مآسي الموت والتهجير الكثيرة. لم يعد الخراب والدمار الهيوليّان اللذان عصفا بلبنان يُذكران مرفقين بالألم والتألّم على ضحاياهما. شيء واحد وحيد لا يزال يستحضر هذه "الذكريات" هو: السياسة، أو بالأحرى: الحرب.

إنها تُستحضر للتوكيد على ما يوصف بالانتصار الملحميّ الذي حقّقه "حزب الله" بنتيجة الصمود والتضحيات.

الذين يستحضرون "الذكريات" تلك لخدمة غرضهم السياسيّ لا تعنيهم مآسي البشر مهما قالوا عكس ذلك. وهم، فوق هذا، لا يعدوننا إلا بحروب أخرى تمهّد لـ"انتصارات" أخرى.

فالمطلوب، تالياً، تكريس الألم وإدخاله في عاديّ الحياة وطبيعيّها، بحيث تمسي الإشارة اليه تشكيكاً "خيانيّاً" بـ"الانتصار".

تحدّثوا عن الانتصار، إذاً، ولا تتحدّثوا عن الألم. هذا ما يقال اليوم للبنانيّين، أو أن هذا ما يؤمرون به كي لا يُسمّوا "خونة" و"جواسيس".

أمّا قلّة الذوق، التي اشتكى منها حسن نصر الله في كلمته المتلفزة في آخر أيّام الحرب، فهي المطالبة بنزع سلاح المقاومة، أي بالعمل على اجتثاث السبب الأصليّ للألم.

ثانياً- طبيعة لبنان: أصوات معبّرة بين أرمن لبنان، وهم فيه أقليّة كبرى، اعترضت على مساهمة جنود أتراك في القوة الدوليّة التي يُفترض أن تأتي الى الجنوب والنقاط الحدوديّة. سبب الاعتراض كامن في العلاقات التاريخيّة السيّئة بين الأتراك والأرمن، والتي تأدّت عنها المجزرة الأرمنيّة الشهيرة في 1915 حيث قضى مليون شخص ما بين قتل وجوع وتيه في الصحراء.

بالمعنى هذا، يحقّ للأرمن أن يتحفّظوا ويرفضوا الأتراك. لكنْ لنفترض، من حيث المبدأ وفي معزل عن حجم هذه الطائفة أو تلك، أن كل واحدة من طوائف لبنان تريد تحميل البلد نتائج تجربة خاصّة بها، أو نتائج رؤية وقراءة ذاتيّتين للوضع الوطنيّ في الماضي أو الحاضر.

تأمّلوا، مثلاً، لو أن الموارنة شاؤوا التمسّك بضمانات تزوّدهم بها فرنسا وإيطاليا الكاثوليكيّتان، والسنّة أصرّوا على العودة الى السلطنة العثمانيّة، والروم الأرثوذكس طالبوا باعتماد البيزنطيّة واحداً من مكوّنات الهويّة اللبنانيّة، والدروز سعوا الى علاقات خاصّة يلتزم بها لبنان مع دروز سوريّة وفلسطين تقوّي موقعهم وتطرد مخاوفهم الأقليّة، وهكذا دواليك...

حالة كتلك هي وصفة خراب نهائيّ لبلد قائم على التعاقد بين طوائف دينيّة متعدّدة في مناشئها ومنازعها ونظراتها الى العالم والأشياء المحيطة. وهو، مثله مثل كل تعاقد، لا تضمنه إلاّ التسوية بين تجارب جميع المعنيّين وقراءاتهم، كأنْ يقال باستبعاد أيّ صلح مع إسرائيل، وفي الوقت نفسه، استبعاد أيّة مواجهة عسكريّة معها.

الدرس هذا كان قد فهمه مبكراً رمزا الاستقلال اللبنانيّ بشارة الخوري ورياض الصلح حين تحدّثا عن بلد "ذي وجه عربيّ"، يكون منفتحاً على العالم المتقدّم لكنه في الوقت نفسه لا يكون "ممرّاً" لأيّ استعمار ولا "مقرّاً". وهو الدرس الذي لا يريد "حزب الله"، الواظب على المقاومة وحده وفي معزل عن رغبات شركائه في الوطن، أن يتوقّف أمامه مليّاً.

ثالثاً- دموع السنيورة: قيل الكثير عن بكاء رئيس الحكومة اللبنانيّة فؤاد السنيورة حين بكى مرّتين في اجتماع وزراء الخارجيّة العرب ببيروت. ما لم يسترع الانتباه الكافي أن بكاء رجل دولة، بل بكاء رجل أياً كان، مسألة غير مقبولة في الثقافة الذكوريّة السائدة لدى العرب. فكيف وأن الزمن، في عرف البعض، زمن للرجولة والنضال والاستشهاد بما يطرد كلّ شبهة ضعف وكلّ ملمح قد يذكّر بالنساء؟

والحقّ أن فؤاد السنيورة حين يبكي فهذا ما يملك معنى رمزيّاً يفيد إبداء المعارضة لنظرة ثقافيّة بالمعنى العريض للكلمة، كما يفيد الإلماح الى قيم أخرى أكثر أنسنةً وإنسانيّة. يتبيّن معنى ما نقصده قياساً بكلام الرئيس السوريّ بشّار الأسد في آخر خطبه حين تحدّث عن "أنصاف الرجال" كما لو أنّه يجلس على ظهر حصان ويلوّح بسيفه في الصحراء (فيما لا يوجد غيره هناك).

رابعاً- دراما بشّار الأسد: لكن الرئيس السوريّ محكوم بدراما وجوديّة مُعذّبة، إن لم تكن قاتلة لصاحبها. فهو مدعوّ، لألف سبب وسبب، الى أن يمتدح شجاعة "حزب الله" ومقاومته، وأن يؤكّد كم أن هاتين الشجاعة والمقاومة سهّلتا العمل الصعب إن لم يكن المستحيل. بيد أن السؤال الذي يغدو، والحال هذه، مُلحّاً هو: ما دامت المقاومة تنطوي على كل تلك الأمجاد، وما دامت إرادة "الرجال والنصف" تسهّل الصعاب وتذلّلها، فلماذا إذاً لا تقاوم؟ (يذكر تلامذة الأدب العربيّ أن غلام المتنبّي "قتله" حين ذكره ببيته الشهير "الخيل والليل..." فاضطرّ صاحب البيت لأن يقاتل عملاً بما يقتضيه بيته الشعريّ نفسه).

خامساً- المثقّفون وحزب الله: الحرب الأخيرة حملت بضعة مثقّفين عرب موصوفين بالليبراليّة على الوقوف الى جانب "حزب الله". مسألة ينبغي لها أن تشغل الولايات المتّحدة وإسرائيل فعلاً وأن تدفعهما الى التأمّل في حقيقة سياساتهما المتصلّبة التي اتّخذت، في السلوك الاسرائيليّ إبّان الحرب، شكلاً همجيّاً. لكنّه أيضاً يحمل على التساؤل عن مدى ليبراليّة هؤلاء الذين انحازوا، في إحدى لحظات الحماسة، الى مشروع قوميّ – دينيّ، خصوصاً أن بعضهم كان يمالئ الولايات المتحدة في جميع ما اتّخذته من سياسات ومواقف. فلا داعي لهذا ولا داعي لذاك.  

كاتب لبناني مقيم في لندن

التعليق