مصداقية استطلاعات الرأي في إسرائيل

تم نشره في الأحد 27 آب / أغسطس 2006. 03:00 صباحاً

تحاول استطلاعات الرأي الإسرائيلية، التي تنشرها كبرى وسائل الإعلام في إسرائيل، فرض انطباع وكأن حكومة إيهود أولمرت مهددة بالانهيار والتوجه إما إلى ائتلاف أو إلى انتخابات برلمانية جديدة، بعد مرور خمسة أشهر على الانتخابات الأخيرة. لكن على أرض الواقع، وعلى الرغم من الأزمة السياسية الكبيرة، فإن سقوط الائتلاف الحكومي أمر غير وارد الآن، وآلية إسقاط الائتلاف ليست ملموسة.

إسرائيل، وبعد هدوء عدوانها العنيف على لبنان، تصطدم بالأمر الواقع بأنها للمرّة الثانية وخلال شهرين تفشل في تحقيق أهداف سياسية عسكرية بالقوة، بداية ذلك كانت في عدوانها على قطاع غزة، ثم في لبنان، وفي كلتا الحالتين فشلت في إطلاق سراح جنودها الأسرى.

فنتائج الحرب، هزّت العنجهية الإسرائيلية العسكرية، ومعنويات مجتمع تأسس على أجواء العسكرة، وجنون العظمة. فهناك من يسعى في إسرائيل لإلقاء الفشل على "شمّاعة" الحكومة، رغم أن قادتها اتبعوا السياسة الإسرائيلية التقليدية، بعقليتها التي نشهدها منذ أكثر من 58 عاما.

لا يمكن القول في إسرائيل ان الحكومة وحدها هي التي قررت التوجه إلى الحرب، لقد شاركت كبرى وسائل الإعلام الإسرائيلية، صاحبة التأثير الأول في صياغة الرأي العام الإسرائيلي، في حملة تشجيع الحكومة على شن الحرب وتصعيدها، وأكدت ضرورة شن المعركة البرية وانتقدت تأخر شنّها، وحتى عندما بدأ الحديث الأولي عن إمكانية وقف إطلاق النار، في الأسبوع الثاني للحرب، امتلأت الصحافة الإسرائيلية بمقالات، و"تحليلات" من كبار المحللين الذين طالبوا الحكومة بعدم وقف الحرب إلى حين تحقق أهدافها، مستندين للموقف الأميركي.

أكثر من ذلك، فإن وسائل الإعلام في إسرائيل كثفت "مبادراتها" لاستطلاعات رأي أظهرت نتائج خيالية في دعمها لأولمرت، 78%، وحتى لوزير الحرب 64%، ونسبة اشد مبالغة في دعم الحرب من 82% إلى 91%.

واليوم تنقلب النسب ضد هذه الشخصيات بالذات، كما ظهر في استطلاع الرأي الذي نشرته صحيفة "يديعوت أحرنوت"، يوم الجمعة الأخير، وحظي بضجة كبيرة، وظهر فيه ان 63% يطالبون باستقالة أولمرت، و74% باستقالة وزير الحرب عمير بيرتس، و54% يطالبون باستقالة رئيس أركان الحرب دان حلوتس.

من الواضح ان كبرى وسائل الإعلام، وكل من جانبها تحاول طرح أجندة خاصة بها، فلو ان صحيفة أخرى، مثل هآرتس، نشرت نتائج استطلاع مشابه من حيث الأسئلة، لرأينا نتائج مختلفة في عدد من الإجابات عن بعض الأسئلة. ومن دون الغرق في التفاصيل، فإن التجربة علّمت ان الرأي العام في إسرائيل متأثر بأقصى درجة بوسائل الإعلام التي لا تتوقف على مدار الساعة، ناهيك عن أن طبيعة وصيغة الأسئلة التي تطرح على المستطلع تطابق الأجواء التي تحاول نفس وسيلة الإعلام بثها.

هذا لا يعني ان إسرائيل لا تواجه أزمة سياسية، على العكس، فإن الأزمة التي تعصف بإسرائيل تعدت حتى الجهاز السياسي لتعمق أكثر الأزمة التي تعايشها إسرائيل، منذ حوالي 15 عاما، أزمة سقوط "البقرات المقدسة" التي بنت إسرائيل نفسها عليها.

وفي الوقت نفسه نقول لا توجد أية بوادر واقعية لانهيار الحكومة، أو حل البرلمان، وأول سبب لذلك، انه لا توجد اكثرية من بين النواب الـ 120 معنية بالتوجه إلى انتخابات برلمانية بعد خمسة اشهر، ستهدد نصفهم بعدم العودة إلى مقاعدهم.

قادة أحزاب الائتلاف يعرفون أنهم يقفون جميعا على سجادة واحدة وأية هزّة ستوقعهم جميعا، أما الخلافات التي نشهدها اليوم بين كتل الائتلاف حول تقليص الميزانية فهي من نوع الخلافات الروتينية، وتنخرط معظمها في محاولة كسب الأضواء، وفي النهاية ستختفي وتعود المياه لمجاريها.

أكثر من ذلك؛ فإن في الكنيست الإسرائيلية أغلبية 63 نائبا على الأقل تمنع انتقال الحكم لليكود، من بينهم 24 مقعدا لليسار الصهيوني، و29 نائبا لحزب "كديما" الحاكم، وعشرة نواب في الكتل الثلاث الناشطة بين فلسطينيي 48، المعارضين لكلا الجانبين، وحتى الآن لا نجد أية بادرة لانشقاق يميني في "كديما" لإسقاط هذا الحاجز أمام الليكود".

الامتحان الصعب الذي على حكومة أولمرت ان تجتازه في الشهر الأخير من العام الجاري هو إقرار الميزانية العامة للعام القادم 2007، التي ستشهد تقليصات في بنود حيوية في الميزانية، وفي حال حصلت إسرائيل على الدعم الذي تطلبه من الولايات المتحدة فإن هذا أيضا سيخفف من حدة تلك الأزمة.

صحافي وكاتب سياسي- الناصرة

bjaraisi@yahoo.com

التعليق