برلمان ليس معرفيا!

تم نشره في السبت 26 آب / أغسطس 2006. 03:00 صباحاً

 

قصص النجاح في اقتصادات المبدعين سواء كانوا نمورا آسيوية أم اوروبيين درجوا على خطوط التميز أم أميركيين اعتادوا مغامرات الأعمال الذكية.. كلها وغيرها كثير استند الى إرادات صلبة وتغيير للبنية التحتية رافقه تحولات تشريعية هامة للإسهام في تحقيق التحول المطلوب.. وإذا ما نقلنا تلك الصورة الى الاردن فإننا سنلمس مفارقات كثيرة في مواطن عدة ليس أقلها ما يجري في البرلمان.

تابعت جلسات مجلس النواب خلال الاسبوع الماضي وتوصلت الى ان المجلس بعيد عن صور النجاح الآنفة، فهو يعاني من غياب المعرفة عن عدد معقول من منتسبيه، وهم الذين تاهوا ولجنتهم المالية والاقتصادية في أحدى النقاشات عندما ذكر مفهوم "رأس المال التنظيمي" وكأن هذا المفهوم عصي على الاستيعاب.. يبدو ان احدا من النواب لم يتصفح تقريرا سنويا لاحد البنوك او الشركات ولم يكلف نفسه عناء معرفة "مجاهيل" هذا المفهوم.

ثمة ما هو أهم.. نوقشت مشاريع قوانين عديدة لكن مناقشة مشروع قانون المعلومات الائتمانية ومشروع قانون ضريبة الدخل انطوت على كثير من الاسئلة العبثية، وأزعم ان بعض النواب وهم الذين لا يتجاوزعددهم أصابع اليد الواحدة سهر على قراءة المشروعين، بينما تاهت الأغلبية في خطابة تجهيلية تؤكد ان الخطيب لم يتصفح المشروعين ولا يعرف ما الذي يرتبطان به في الحياة الاقتصادية لبلادنا.

كثير من النواب تساءل عن أهمية "المعلومات الائتمانية" ومدى الحاجة اليه وهذا الكثير ربما لا يعرف ان تشريعا كهذا - وان تأخر - سيحقق تحولا في حياتنا الاقتصادية باستناده الى معلومات تراكمية عن سلوك الشخص والتزامه تجاه المجتمع وبما يتيح القدرة على تقويم الأفراد بشكل أكبر تمهيدا لإقراضهم وانخراطهم في بيئة الأعمال.. هذا "التشريع" يشكل انقلابا اقتصاديا في الاتجاه الإيجابي نتجاوز من خلاله العبثية والمزاجية والمحسوبية الى صورة أكثر عدلا يتساوى فيها الجميع ويبقى سلوك الفرد الشخصي والاقتصادي هو المقياس الوحيد في تقييمه ومنحه التسهيلات.

الأمر أكثر بؤسا في المناقشات الأولية لـ"ضريبة الدخل"، فالمشروع الذي تعبت عليه الحكومة شهورا وقاد مدير عام ضريبة الدخل والمبيعات اياد القضاة حوارا مفتوحا مع قطاعات عديدة حوله لم يساعد كل ذلك في جعل النواب يقرأونه، ومن خلال قراءتي التحليلية لهذا المشروع أستطيع القول ان فلسفته بنيت على اساس تحصيل الضريبة ممن يتحقق لهم ربح وليس العكس، بينما لا يستهدف المشروع  اصحاب الدخول المنخفضة او حتى المتوسطة، وكان واضحا حتى للحكومة ان عددا كبيرا من النواب لم يكلف نفسه عناء قراءة المشروع وذهب الى الخطابة بعبارات تميل الى ان المشروع يستهدف الفقراء في بلادنا والأمر ليس كذلك على الاطلاق.. الضريبة تستثني بموجب المشروع الذي قدمته الحكومة نحو 90% من السكان.. بعضهم لا يقرأون!!

ذات المجلس شهد عراكا وشجارا الأسبوع الماضي حول قضية ليست ذات أهمية، وأبعد من ذلك لم تلتئم أي من جلسات البرلمان في موعدها المحدد.. دائما هنالك تأخير ولكن لماذا؟

الجدية التي تسهم في تحقيق التحول ليست متوفرة لدى هذا المجلس. فمشروع قانون منع الإرهاب - وهو أهم تشريع في الدورة الاستثنائية - نوقش في اللجنة القانونية خلال جلسة واحدة وضمن وقت أقل من ساعتين. وعندما جيء به للنقاش تحت القبة أعلن رئيس المجلس عن جلسة مسائية لم يحضرها سوى 43 نائبا تم بعدها رفع الجلسة بسبب عدم اكتمال النصاب وهو ما دفع الرئيس الى القول أمام حشد من البرلمانيين "علينا أن نحترم حق النواب في النوم بعد الغداء".

 من يتابع أيا من جلسات المجلس لا بد أن يخرج بانطباع يتحول بعدها الى حقيقة بأن الجهالة ملمح أكثر وضوحا وسط غياب المعرفة، وان النقاشات التي تدور تحت القبة تقل أهمية ومستوى  في بعض الأحيان عن حوارات تنشأ في بيوت العزاء وان الدور التشريعي والرقابي المناط بالمجلس لا يتم بصورة طبيعية تشعرك بأن ثمة جهدا يبذله السادة النواب.. أذكر ان المجلس صوت الاسبوع الماضي وتم طي الصفحة ثم اكتشف أحد النواب بعدها بدقائق ان التصويت غير دستوري مما دفع الحكومة الى تخليص النواب من هذه الإشكالية وحل المشكلة على الفور.

تحولنا الاقتصادي يحتاج الى مؤسسات حقيقية لا وهمية لتقوم بدورها كروافع لهذا التغيير.

التعليق