منار الرشواني

صناعة الهزيمة

تم نشره في الخميس 24 آب / أغسطس 2006. 03:00 صباحاً

بالنظر إلى الأهداف الإسرائيلية المعلنة على الأقل، يبدو منطقيا ومسلما به اعتبار النتيجة النهائية للحرب الإسرائيلية الأخيرة على لبنان نصرا لحزب الله، وذلك من حقيقة فشل إسرائيل في تحقيق أكبر أهدافها كما أصغرها على حد سواء من هذا العدوان؛ إذ لا هي نجحت في القضاء على حزب الله في الجنوب، بل دعّمت شعبيته عربيا وإسلاميا على حساب هيبة جيشها وسمعتها الأخلاقية الدولية، ولا هي تمكنت من تحرير جندييها الأسيرين، فلم يعد من طريق أمامها إلا الدخول في مفاوضات غير مباشرة مع حزب الله لمقايضة هذين الجنديين بمن لديها من أسرى لبنانيين وربما عرب، تماما كما اشترط حسن نصرالله، الأمين العام للحزب، غداة تنفيذ عملية الوعد الصادق.

وعلى الرغم من كل الدمار والدماء اللبنانية، فإن نصر العام 2006 ليس بأي حال من الأحوال دجلا أو افتراء شبيها بالنصر العربي في العام 1967، حين نجحت إسرائيل، وفي ستة أيام فقط، في احتلال قطاع غزة وصحراء سيناء وهضبة الجولان والضفة الغربية، لكنها فشلت تماما في إسقاط الأنظمة العربية "الثورية"، ولا سيما نظام الرئيس جمال عبدالناصر. والدليل على صدق نصر العام 2006، ووجهه الآخر هزيمة إسرائيل، هو محاكمات إعلامية إسرائيلية عاجلة للقادة السياسيين والعسكريين المسؤولين عن هذا الفشل أو تلك الهزيمة، بانتظار نتائج تحقيقات رسمية آجلة.

لكن فيما يبدو من المتفق عليه تحقق "نصر" من حيث المبدأ، يبدو ضروريا تحديد حدود هذا النصر، على المدى القصير كما على المدى البعيد.

فخلافا للزعم الذي يردده كثيرون، لم ينتصر لبنان أبدا وإن انتصر حزب الله، تماما كما لم ينتصر العرب وإن انتصر بعضهم، ولو زورا، بادعاء شراكته في نصر الحزب. وهذه الحقيقة التي لا يراها كثيرون، فيما تدفن أكثرية القلة التي تبصر رأسها في الرمل أمامها، تكاد تجعل من انتصار حزب الله أقرب إلى نصر طروادة الحاضر إلى يومنا هذا وإن أغرق في التاريخ!

وكما هو معروف، فقد انتصرت طروادة، أو هكذا ظنت، على غزاتها الإغريق بعد "صمود" دام عشر سنين. إلا أن هذا النصر لم يدم لأكثر من ليلة واحدة، تحولت مدينة طروادة بعدها إلى أثر بعد عين، بعد أن غفلت في نشوة النصر عن سر الهدية التي تركها لها غزاتها اليائسون. وفي حالة لبنان وحزب الله والعرب وإسرائيل، وإذ هذه الأخيرة لم تبن حصان طروادة آخر مكتمل البناء ومتجسدا بالمعنى المادي، إلا أنها تركت كل الأدوات اللازمة ليتولى العرب، وليس اللبنانيون فقط، بناء الحصان ذاته بأيديهم وبالنيابة عنها، وصولا إلى قتل أنفسهم وتدمير مدنهم بأيديهم أيضا!

مؤشرات البدء الفعلي بعملية "البناء الهدام"، وإطلاق حرب أهلية (باردة إلى الآن) لبنانية-لبنانية وعربية عربية، باتت واضحة وغير قابلة للإنكار أو التأويل، وهي تمتد من محاولة حزب الله الالتفاف على موافقته السابقة على نشر الجيش اللبناني في الجنوب بذريعة ضعف هذا الجيش، مرورا بتطوع بعض حلفائه لصرف صكوك الولاء والخيانة والعمالة للأحزاب والقوى اللبنانية، ولا تنتهي هذه المؤشرات بمزايدات أنظمة عربية بشأن دعم لبنان إبان العدوان الإسرائيلي!

والمشكلة أن بناء حصان طروادة اللبناني-العربي لا يتم في لحظة نشوة مسكرة بالنصر، بل  هو يتم بوعي كامل لتحقيق بعض المكاسب الإقليمية أو حتى الشخصية التي تصون نظاما ما وتعطيه بضع دقائق أخرى من الحياة، لا على حساب شعب لبنان فقط، بل على حساب الأمة ككل، من المحيط إلى الخليج، وبما يجعل حتى من استخدام مصطلح أمة مسألة تستدعي الكثير من التردد والتدقيق والتمحيص.

مع الاعتذار لكل المنتشين بالنصر بمشاعر صادقة، ورغما عن كل المزاودين أصحاب صكوك الغفران والتكفير رغم أن دورهم كان حتى أقل من سواهم إبان العدوان، فإن المخطط الإسرائيلي مايزال يشق طريق نجاحه، ومن المبكر ادعاء النصر "العربي" فيما المعركة الحقيقية لازالت في بداياتها الأولى.

manar.rashwani@alghad.jo

التعليق