د.باسم الطويسي

تحولات الحرب الباردة العربية

تم نشره في الأحد 20 آب / أغسطس 2006. 03:00 صباحاً

من بين المغالطات التي تتكرر في وصف التحولات الإقليمية السائدة؛ الوصف المشوه للحراك داخل النظام العربي؛ بين الوصف القائم على فكرة انهيار هذا النظام وإنكار وجوده، أو القراءة المشوهة للتفاعلات الصراعية البينية وما تنطوي عليه من انماط الاصطفافات التقليدية في نسخها الراهنة أو الجديدة.

السؤال المهم هل تحمل الصراعات والاصطفافات الجديدة روحا احيائية للإقليم، بما فيه النظام العربي على عكس المتوقع، أما انها مجرد حجر آخر يُرمى فوق جثة هامدة؟

النهاية المفتوحة للحرب العدوانية على لبنان فتحت بابا آخر للحرب الباردة بين النظم والنخب العربية الحاكمة، بعد ان قادت هذه الحرب في بداياتها واحدة من اعتى موجات الحرب الباردة العربية الجديدة.

كان د. احمد يوسف، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة وأحد ابرز الباحثين في النظام الإقليمي العربي منذ عقود، قد أضاف أطروحة أساسية لمفهوم النظام العربي تدور حول قيمة الصراعات داخل النظام ودورها في إشارة إلى مفارقة تقول: بان قدرة النظام على إنتاج الصراعات وتوالدها تشير إلى استمرار النظام وعدم انهياره، بمعنى انه يملك القدرة على خلق التفاعلات داخله بغض النظر عن اتجاهات هذه التفاعلات ومضامينها.

بيد ان التفاعلات الصراعية التي لم تتراجع منذ عدة عقود باتت تحمل تحولات جديدة غير مسبوقة تجاوزت فكرة انهيار نظرية الأمن القومي بأكملها، يمكن رصدها على ثلاث مستويات أساسية:

المستوى الأول؛ ازدياد فاعلية الأطراف الإقليمية في تحريك التفاعلات المحلية، وانتقالها من المستوى الطارئ والمؤقت إلى ممارسة ادوار أطراف أصيلة في إدارة صراعات المواقف والتداعيات السياسية والإعلامية. وهذا الواقع يفسر طبيعة مواقف ايران والولايات المتحدة في التعامل مع نتائج الحرب، كما بدا الأمر في رفض ايران قرار مجلس الأمن وصولاً إلى خطاب الرئيس السوري وما حمله من تداعيات.

المستوى الثاني؛ سجلت الحرب تعميق ظاهرة الانشقاق الغامض داخل صف دول المولاة للغرب، والذي يُقرأ على أساس البحث عن ادوار جديدة، وهو ما يفسره ظاهرة السياسية الخارجية لدولة مثل قطر.

المستوى الثالث؛ انتقال التفاعلات الصراعية الباردة من مستوى الدول إلى الكيانات والقوى والنخب السياسية، وعلى الرغم من أن هذه الظاهرة موجودة في السابق، لكن ما تقدمه الحالتان اللبنانية والفلسطينية جعل هذه القوى ترتقي إلى مستوى الفاعلين الأساسيين ومن العيار الثقيل الذي يتجاوز مفاهيم الدولة والسيادة وقيم العلاقات الدولية.

ان قراءة التحولات التي أخذت تنال التفاعلات الصراعية في المنطقة العربية يجب ان تتجاوز الأقنعة والمساحيق السياسية المنتشرة بكثرة هذه الأيام، والتي تتبعها أطراف محلية على شكل دبلوماسية خلط الأوراق وجني الثمار على طريقة الوجبات السريعة الجاهزة، ويجب أيضا ان تتجاوز هذه القراءة ملامح الشماتة وقاموس اللعنات المتبادلة، نحو حقيقة ما تقود إليه هذه التفاعلات الصراعية. ومن باب التفاؤل نقول ان احد مسارات التحول يذهب نحو تعميق فكرة حسابات المكاسب والمخاسر، وإدارة خطوط التماس والمواجهات الباردة والساخنة كيفما  تقتضي هذه الحسابات.

هذا التطور يحتمل فقدان التفاعلات بين أطراف النظام الإقليمي لهويتها واستعداد النظام لقبول حضور أطراف جديدة فاعلة فيه، ويحتمل أيضا إحداث تغيرات نوعية في قيم النظام يزداد فيها وضوح خطوط التماس في حسابات الخسائر والمكاسب. فالنظم والنخب تفعل ما تريد ان تقوله لجيرانها أكثر من الميل نحو قول ما تريد ان تفعله، هذه التحولات الجارية على قدم وساق في الهوية والفاعلين وقيم النظام لم يتبين بعد غيها من رشدها؛ فبينما ما تزال بعض انماط من الحرب الباردة العربية تعود إلى تراث الحرب الباردة العالمية تصعد تحولات اخرى جذرية في إدارة الصراعات، في ضوء ذلك تقرأ تفاعلات الحرب الباردة على الطريقة العربية من خطابات الزعماء اللبنانيين والرئيس السوري والوزير القطري مقابل نشاط الدبلوماسية الإيرانية بين طهران والقاهرة.

basimtwissi@hotmail.com

التعليق