منار الرشواني

هل فشل مشروع الشرق الأوسط الجديد؟

تم نشره في الخميس 17 آب / أغسطس 2006. 02:00 صباحاً

حتى قبل وقف "الأعمال العسكرية" في المواجهة الأخيرة بين الجيش الإسرائيلي وحزب الله، كان يحلو للأكثرية العظمى في الوطن العربي، ولربما العالم الإسلامي، ترديد مقولة إنها المرة الأولى التي تكسر فيها شوكة إسرائيل، ويتم تبديد خرافة جيشها "الذي لا يقهر"؛ فهل كان هذا النصر هو الأول فعلا؟ وهل كانت هي المرة الأولى التي يفعلها حزب الله ذاته؟

حتما لا! فإذا ما تناسينا تحرير بيروت من الاحتلال الإسرائيلي، دون قدرتنا على إيجاد مبرر منطقي لهذا التناسي، فستكون المناسبة الأولى لكشف زيف جبروت إسرائيل وجيشها هي تحرير الجنوب اللبناني في العام 2000 على يد مقاتلي حزب الله أنفسهم، مسلحين أساسا بدعم وطني لبناني كامل من شمال لبنان إلى جنوبه. أما المناسبة الثانية، والتي تتشابه في جوهر النصر فيها مع محصلة العدوان الإسرائيلي الأخير على لبنان، أي "النصر صمودا"، فكانت في حالة مخيم جنين إبان الانتفاضة الثانية؛ ألم يصمد هذا المخيم كما لم تصمد عاصمة عربية؟

أهمية التذكير بانتصارات عربية فعلية ماضية على إسرائيل، هي حقيقة أن "النصر صمودا" لا يستحق وصف النصر فعلا إلا بالنظر إلى السياسات اللاحقة التي تترجمه على الأرض وتصونه، فتمنع العودة إلى مربع الاستتباع والمهانة الأول. وغياب هذه السياسات وتلك الترجمة هي التفسير المنطقي للذاكرة العربية المثقوبة التي أدت إلى نسيان انتصارات سبقت، فغدت هشيما ذرته الرياح، وصار من الضروري العودة إلى تقديم كل ممكن من الضحايا والخسائر المادية، لاستعادة الكرامة!

بناء على ذلك، وكنتيجة منطقية أولى، فإن الحفاظ على نصر حزب الله الأخير، والتعويض فعليا عن تكلفته الإنسانية والمادية الباهظة، يكون بتبني نموذج الحزب من قبل مؤيديه أساسا، لتحرير المغتصب من أراضيهم، لا سيما بعد أن ثبت بما لا يدع مجالا للشك تنكر إسرائيل لكل قانون دولي، وحرصها على عدم الدخول في مفاوضات سلمية، وليكون السؤال هنا بكل وضوح: متى سنشهد قيام حزب الله سوري على جبهة الجولان؟

وفي مقابل هذه الترجمة المأمولة لنصر حزب الله، والتي لن تكون حتما لحظية في تحققها، ثمة مضمون آخر لهذا النصر يفترض أنه كان النتيجة المباشرة له، وهو إفشال مشروع الشرق الأوسط الجديد الذي بشرت به كونداليزا رايس، فهل فشل هذا المشروع فعلا؟

خلافا للبساطة الملاحظة في الإجابة الشائعة، وهي الجزم الممزوج بالفخر بفشل المشروع، تستدعي الإجابة الحقيقية التأمل في الجانب الأخطر للمواجهة الأخيرة بين حزب الله وإسرائيل، ويو غياب العروبة باعتبارها خيارا فاعلا لدى الجماهير أساسا وليس النخب العربية!

فالطرح السائد علنا هو: أيا كانت مطامح إيران ومطامعها في المنطقة العربية، فإنها تظل أفضل من إسرائيل! لتتعمق خطورة هذا الطرح من حقيقة أنه لا يعود في نشأته إلى الحرب الإسرائيلية الأخيرة على لبنان، بل هو يتجذر على الأقل منذ الغزو الأميركي للعراق، عندما ارتضى كثيرون التنازل عن العراق وعروبته، بل وتأييد بعضهم لحرب أهلية فيه (تؤدي فيها إيران دورا نشطا)، لا لشيء إلا إلحاق الهزيمة بكبرياء أميركا، وإفشال مشروعها في المنطقة، مع إعفاء الذات من طرح أي بديل، ففشل الولايات المتحدة هو جوهر النصر، ومنتهى تجليه!

واستنادا إلى خيار "إيران أو أميركا وإسرائيل"، وإزاء الفشل الأميركي في العراق، والآن فشل العدوان الإسرائيلي الموعز به من الولايات المتحدة على لبنان، تكون الإجابة الحقيقية عن سؤال فشل مشروع الشرق الأوسط الجديد، هي نعم ولا في آن!

فعلى المدى القصير جدا، وإلى حين اتضاح معالم السياسات القادمة، الوطنية والإقليمية والدولية، يمكن القول بفشل مشروع الشرق الأوسط الجديد الأميركي تحديدا، أما مشروع الشرق الأوسط الجديد بشكل مطلق فلم يفشل، وإنما بدأ فعلا! وإن تأكد فشل النسخة الأميركية منه، فسيكون ذلك لحساب مشروع شرق أوسط جديد إيراني أو تركي، أو خليط بينهما يقوم على اقتسام النفوذ، وهو لن يكون بالتأكيد، في ظل المعطيات الحالية، شرق أوسط عربيا أبدا، إلا في هوية القرابين المقدمة على مذبح تشكيله.

manar.rashwani@alghad.jo

التعليق