إبراهيم غرايبة

محاكمة تيسير علوني

تم نشره في الثلاثاء 15 آب / أغسطس 2006. 03:00 صباحاً

عندما كنت أسمع من الزملاء الصحافيين عن التهم الموجهة إلى تيسير علوني في المحكمة كنت لا أصدق، وأقول في نفسي ربما وردت هده القصص على نحو جانبي، ولكن عندما قرأت تقرير المحامين والخبراء القانونيين الذين تعاملوا مؤسسيا في المحكمة مع قضية تيسير علوني أصابني إحباط ويأس، ولا بأس أن أقول إن كل ما يقال عن المحاكمات والأجهزة البوليسية العربية هو أقل خطورة وغرابة مما يجري في محاكمة تيسير علوني.

لقد كانت شروط المحاكمة العادلة غير متوفرة، وعناصر الاتهام كانت خيالية وتبالغ في الاعتساف والعنجهية والتلفيق المتعمد عن سوء نية وعدم احترام الإنسان عندما يكون عربيا، فعلى مدى السنوات الثماني التي كانت تراقب وتسجل فيها مكالمات تيسير علوني من بيته، اعتبر الحديث عن أسامة (ابن تيسير) أنه أسامة بن لادن، وعبارة "شباب" إشارة إلى تنظيم سري وإرهابي، واعتبر كتاب "الأربعين النووية" دليلا ماديا على العمل لأجل الحصول على سلاح نووي، وقرض شخصي مبرر بأربعة آلاف دولار لأحد الأصدقاء تمويلا للإرهاب، وإقامة بعض الضيوف في بيت تيسير إيواء للإرهابيين، والحديث عن الأصدقاء والمعارف بأبو فلان دليلا على الأسماء السرية والحركية لأعضاء التنظيم، وهكذا فإن الأدلة التي جمعت وأقيم الحكم على أساسها كلها من هذا القبيل.

وقد استخدمت الوثائق والمكالمات استخداما مجزوءا وانتقاميا قام به قاضي التحقيق بهدف تدبير تهم ملفقة مثل انتمائه إلى منظمة إرهابية، وإدارته لمجموعة إرهابية ومشاركته في تمويل الإرهاب.

وكان ملف القضية الكبير المكون من مئات الأشرطة السمعية والمرئية وآلاف الصفحات عائقا أمام ممارسة الدفاع، وفي الوقت الذي أعد التحقيق الملف ودرسه على مدى سنوات عدة، فإن الدفاع لم يطلع عليه إلا في وقت متأخر، ولم يتح له الاطلاع إلا على مقاطع جزئية من وثائق الملف حتى بعد انتهاء التحقيق، وفعلا لم يتمكن المحامون من الاطلاع على الملف لتحضير دفاعهم إلا ليلة انعقاد المحكمة.

وأحضرت إلى المحكمة صناديق مليئة بالوثائق لم يتمكن المحامون من الاطلاع عليها، وترك تقييمها لوكلاء النيابة ورئيس المحكمة، وهو عمل مخالف لقانون الإجراءات القضائية في إسبانيا، وقد استعملت بعض الوثائق من أجل إثبات الإدانة وليس من أجل إظهار الحقيقة كما يفترض.

وأهملت المحكمة وقائع أدرجت في ملف التحقيق عن كتابات لتيسير في صحيفة الحياة، ومقابلات صحفية وتلفزيونية تظهر أنه مختلف مع أفكار القاعدة وينتقدها.

ورغم أن تيسير قدم إجابات منطقية ومدعمة بالبينات حول المبالغ التي ذكرت وهي 4600 دولار، وعن دلالات الأسماء والأوصاف مثل أبو فلان وشباب بأنها عادات وثقافة شرق أوسطية شائعة الاستخدام.

وأوضح أنها لا تدل على تجمع سري أو إرهابي، وأن العلاقات المالية والشخصية هي مما يكون بين الأصدقاء وأبناء البلد الواحد ولتحقيق بعض المصالح الخاصة، وأن كثيرا من علاقاته واتصالاته وأنشطته التي اعتبرت عملا إرهابيا هي من صميم عمله الصحافي الذي يجب أن يمارسه أي صحافي في موقعه، واستغرب مثلا أن تكون مقابلة صحافية أجراها وبثتها محطة CNN وقد دفعت ثمنها لقناة الجزيرة ربع مليون دولار أساسا للاتهام بالانتماء إلى القاعدة.

وقد أخضعت المكالمات الهاتفية لتيسير علوني للرقابة، وهو عمل غير مرخص قضائيا، ولم يقم بترجمتها مترجم محلف، ولم يطابق كاتب الضبط بينها، ولم تحفظ لدى المحكمة، ولم يستمع إليها القاضي، ولم تقرأ في جلسة علنية.

وقد كيفت أفعال عادية ولا يمكن أن تكون تهمة بطريقة تبدو قانونيا وكأنها مدرجة في قانون مكافحة الإرهاب، مثل مساعدة بالإيواء، وتسهيلات لتجديد الإقامة، وتحويل أموال، وقد جرى ذلك بسوء نية مبيتة.

إن مجموع الأفعال التي حكم بها تيسير هي مما أدلى به هو نفسه للشرطة في التحقيق القضائي والجلسة العامة للمحكمة، ولم توفر النيابة العامة دليلا ينقض تصريحات تيسير، ولا يوجد تصريح واحد مضاد من باقي المتهمين يسمح بنقض ما صرح به تيسير بنفسه، ولم تتناول المحكمة تصريحاته بالنقد، بل أعادت تفسير تصريحاته باستخفاف غير مبرر بحثا عن أدلة تدينه.

ibrahim.gharaibeh@alghad.jo

التعليق