إعادة النظر في الإرهاب

تم نشره في الاثنين 14 آب / أغسطس 2006. 03:00 صباحاً

إن إلقاء القبض على 21 إرهابياً في لندن بتهمة التخطيط لتفجير عدد من الطائرات فوق المحيط الأطلسي يذكرنا، إن كنا في حاجة إلى أي تذكِرة، بالهجمات الإرهابية التي استهدفت نيويورك وواشنطن في الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001.

لقد كانت هجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول تجسيداً للإرهاب الحديث بكل ما يمتلكه من قدرة رهيبة على نشر الموت وإحداث الدمار. وقد تكون فترة الخمسة أعوام التي مرت منذ ذلك الوقت أقصر من أن تسمح للمؤرخين بالحكم على المغزى الكامل من ذلك الحدث، لكنها على الأقل تمنحهم الفرصة للتحليل والتقييم.

في أفضل الأحوال نستطيع أن نقول إن السجل مختلط ومتنوع. فقد وقعت هجمات إرهابية بعد ذلك في إندونيسيا، ومدريد، ولندن، ومصر، ومؤخراً في مدينة مومباي. ولقد أسفرت هذه الهجمات عن مقتل آلاف الأبرياء من الرجال والنساء والأطفال. كما تشهد العراق أحداث عنف إرهابي لا ينقطع، وهو ذلك النوع من العنف الذي يهدد بانزلاق البلاد إلى مستنقع الحرب الأهلية الشاملة.

لكن الإرهابيين لم ينفذوا حتى الآن أي عملية إرهابية بحجم تلك التي شهدتها أميركا في الحادي عشر من سبتمبر/أيلول. والسبب وراء هذه الحقيقة جدير بأن نفكر فيه ونجتهد في التوصل إليه. قد يعزو بعض المحللين هذا إلى سقوط حكومة طالبان في أفغانستان وحرمان تنظيم القاعدة من ملاذه الآمن هناك. والحقيقة أن عمليات الاستخبارات التي شهدت تحسناً كبيراً وأصبحت أفضل تنسيقاً، علاوة على محاولات فرض القانون، والجهود الأمنية المبذولة، سواء على المستويات الوطنية أو الدولية، قد جعلت من الصعب على الإرهابيين أن ينفذوا عملياتهم بنجاح. ومن المحتمل أيضاً أن تكون رغبة بعض الإرهابيين في تنفيذ عملية إرهابية تفوق هجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول حجماً، قد أدت إلى تقييد قدرتهم على تنفيذ مخططاتهم وزادت من احتمالات ضبطهم والإيقاع بهم.

كل هذا لا ينبغي أن يكون سبباً للتفاؤل. فقد بات من اليسير بفضل العولمة أن يتعرف الإرهابيون بشكل جيد على أدوات مهنتهم والترقي في مدارجها. كما تلعب الظروف أيضاً لصالح الإرهابيين، ذلك أن نجاحاً واحداً من شأنه أن يعوضهم عن إخفاقات كثيرة. والتكنولوجيا الحديثة، التي قد تتضمن أسلحة الدمار الشامل، تزيد من احتمالات تسبب أي نجاح للإرهابيين في إحداث قدر هائل من الدمار. وبالإضافة إلى كل ما سبق، فإن العراق ينتج جيلاً جديداً من الإرهابيين المتمرسين كما حدث في أفغانستان منذ عقدين من الزمان.

ما الذي يتعين علينا أن نفعله إذاً؟ تتلخص إحدى الإجابات التي ساقتها إدارة بوش لهذه المسألة في الترويج للديمقراطية. والمنطق الذي استندت إليه الإدارة في هذا هو أن الشباب من الرجال والنساء سوف تقل احتمالات تحولهم إلى الإرهاب إذا ما أصبحوا أعضاءً في مجتمعات تقدم لهم الفرص السياسية والاقتصادية التي تعينهم على الحياة على نحو مُـرْضٍ وفعّال.

ما يدعو للأسف أن الأدلة لا تصب في مصلحة هذا النمط في التفكير. فقد رأينا أفراداً نشأوا في مجتمعات ديمقراطية ناضجة كما في المملكة المتحدة، ومع ذلك فلم يكن عزلهم وزرع روح التعصب في أنفسهم بالأمر العسير. والعراق الأكثر ديمقراطية تحول إلى عراق أشد عنفاً. وعلى نحو مشابه، عجزت الانتخابات في فلسطين عن إقناع حماس بالتخلي عن العنف، تماماً كما فشلت الانتخابات في لبنان في إثناء حزب الله عن إحداث الأزمة الحالية في الشرق الأوسط.

فضلاً عن ذلك، فحتى لو كانت الديمقراطية هي الحل، فإنه لمن الصعوبة بمكان أن تُفْرَض الديمقراطية، كما أثبتت لنا الأحداث في العراق. والحقيقة أن بناء الديمقراطية الحقيقية (وليس مجرد عقد انتخابات ديمقراطية) يشكل مشروعاً يتطلب عقوداً من الزمان، بل وحتى أجيالاً. ولكن إلى أن يتحقق ذلك فإننا في حاجة ملحة إلى سياسة للتعامل مع الإرهاب الذي يواجهنا.

لابد وأن ندرك أيضاً أن الديمقراطية لا تأثير لها على أولئك الذين كرسوا أرواحهم للإرهاب بالفعل. ذلك أن أهدافهم التي تتلخص في إعادة إحياء ذلك النوع من الخلافة الإسلامية الذي كان في القرن السابع الميلادي أو استعادة السيطرة للسُـنّة كما في حالة العراق، ليس من المرجح أن تتحقق بترك الحرية للرجال والنساء في اختيار النظم السياسية والزعامات التي تحكمهم.

ماذا ينبغي أن يحدث إذاً؟ يتعين علينا في المقام الأول أن نتخلى عن شعار "الحرب ضد الإرهاب". فالحروب تُـخَاض في الأغلب بالأسلحة في ساحات المعارك وتدور رحاها بين جنود ينتمون إلى دول متنازعة أو متخاصمة. والحروب لها بدايات ونهايات. ولا تنطبق أي من هذه الخصائص على "الحرب ضد الإرهاب".

أصبح من الممكن الآن تنفيذ عملية إرهابية بحمل مشرط أو مبضع صغير والصعود إلى إحدى الطائرات، بالسهولة نفسها التي يتم بها تنفيذ العمليات الإرهابية باستخدام المتفجرات. كما أصبحت بنايات المكاتب وقطارات نقل الركاب ومحال القهوة تشكل اليوم ساحات قتال جديدة. والإرهابيون لا يرتدون زياً عسكرياً، وكثيراً ما يعمل الذين ينفذون عمليات القتل باسم قضية ما أو حركة ما. ولا توجد نهاية لكل هذا في المستقبل المنظور. بل إن الأمر على العكس من ذلك، فقد تحول الإرهاب الآن إلى جزء من نسيج الحياة المعاصرة.

هناك سبب آخر يدعونا إلى نبذ المفردات الحربية. ذلك أن إلحاق الهزيمة بالإرهاب لا يتحقق بالسلاح فحسب، بل إن أدوات سياسية أخرى، بما في ذلك الاستخبارات، والعمل الشرطي، والدبلوماسية بات من المرجح أن تلعب دوراً أكبر في تحقيق النجاح لأي سياسية فعّالة.

ثانياً، من الضروري أن نميز بين الإرهابيين الموجودين بالفعل وبين الإرهابيين المحتملين. فالأمر يتطلب منع الإرهابيين العاملين من ارتكاب أفعالهم الإجرامية؛ كما تحتاج المجتمعات إلى حماية أنفسها والاستعداد بالسبل اللازمة للتخفيف من عواقب الهجمات الإرهابية في حالة نجاحها.

نستطيع، بل ويتعين علينا أن نفعل أكثر من هذا لإقناع الشباب بالعدول عن فكرة التحول إلى الإرهاب في المقام الأول. ومن هذا المنطلق فلابد وأن يتلخص هدفنا الأول في خلق بيئة يصبح الإرهاب فيها مرفوضاً ولا ضرورة له.

لابد من تجريد الإرهاب من شرعيته وتكليل كل من يعتنقون الإرهاب بالخزي والعار. فليس لأي قضية سياسية أن تتخذ كمبرر لقتل الأبرياء. ويتعين على الزعامات الإسلامية والعربية أن تؤكد على هذه الحقيقة، سواء عن طريق الإعلانات العامة بواسطة أهل السياسة، أو من خلال إلقاء المحاضرات بواسطة الأساتذة وإصدار الفتاوى من قِبَل رجال الدين البارزين. لقد كانت ردة الفعل الأولية من جانب العديد من الحكومات العربية إزاء اختطاف حزب الله للجنديين الإسرائيليين بمثابة الإشارة إلى أن هذا النوع من الانتقاد للإرهاب بات وارداً، كما أصبح من الممكن صدور تعليقات منتقاة من قِـبَل عدد من الزعامات الدينية الإسلامية.

يتطلب الأمر أيضاً تجريد الإرهاب من دوافعه. ومن الممكن ترجمة هذا من خلال تصرفات دول مثل الولايات المتحدة وغيرها في إبراز المكاسب التي يمكن أن تتحقق للفلسطينيين من عقد اتفاق سلام مع إسرائيل، والفوائد التي قد يجنيها السُنّة والشيعة في العراق بانتهاج نظام سياسي جديد. كما سيساعد تنفيذ وقف إطلاق النار الدائم في لبنان في تهدئة المشاعر التي من شأنها أن تؤدي إلى تحول بعض الناس إلى إرهابيين واستساغة آخرين للتسامح معهم أو حتى تأييدهم.

إن السبيل أمامنا واضح: فاليقظة في التعامل مع العنف لابد وأن تقترن بالاحتمالات السياسية. والحقيقة أن مثل هذه السياسة المناهضة للإرهاب لن تتمكن من إزالة لعنة الإرهاب كما لو كانت أدوية حديثة لعلاج الأمراض. لكنها تحمل في طياتها الوعد والأمل في تقليص الإرهاب إلى حد لن يستطيع معه تهديد انفتاح أو أمن أو رخاء المجتمعات الحديثة.

ريتشارد ن. هاس المدير الأسبق للتخطيط للسياسات في وزارة خارجية الولايات المتحدة، ويشغل حالياً منصب رئيس مجلس العلاقات الخارجية، وهو مؤلف كتاب "الفرصة: اللحظة التي تستطيع فيها أميركا أن تغير مسار التاريخ".

خاص بـ"الغد" بالتنسيق مع بروجيكت سنديكيت

التعليق