حين تبكي "حيفانا"

تم نشره في السبت 12 آب / أغسطس 2006. 03:00 صباحاً

بكت حيفا قبل أيام وهي تئن تحت قصف لم يقصدها. إنها "حيفانا" نحن، وليست حيفاهم هم.

بكت حيفانا نحن، حين ضُربت عن غير قصد في قلبها، في حيها الفلسطيني الباقي، في بيوت فلسطين التي يحرص أهلها على ترميمها حجرا حجر، لتصون الذاكرة، وتصون الجذور، وتصون الهوية.

نعم، بكت حيفا، رغم أن جراح الشقيقة بيروت أكبر، ونزيفها أخطر؛ إلا أن لبيروت من يحميها ويصونها، ولحيفا أيضا، ولكن الخطر على حيفا هو أكبر وأكبر.

قبل أن تصل قذائف الكاتيوشا إلى حيفا"زارت" عدة مدن وقرى فلسطينية، ولأننا انسانيون حتى أمام خصمنا وعدونا نقول انه ليس فقط بلدات فلسطينية. وحيفا أيضا قصفت مرارا، لكن القصف الأخير كان له وقع خاص، وألم خاص؛ فقد قتل بشرا نبكيهم، لكنه أصاب أيضا جزءا من الذاكرة ومن شواهد فلسطين. يا الله ما أجملك يا وادي النسناس، يا عطر الماضي وعبقه.

كان طبيعيا أن يقلق أهالي حيفا وهم يسمعون سماحة السيد حسن نصرالله يدعو "عرب حيفا" إلى مغادرتها حفظا لسلامتهم؛ فهم الذين بقوا فيها يحرسون اسمها وتاريخها، وما تبقى من بيوتها وحاراتها! "كيف نترك البيت"، "إن كان علينا أن نموت فسنموت فيه"، كما قال أحد "أهل الدار" في إحدى القنوات العربية.

في تلك الحارة كان لي بيت فوق العادة، مقر صحيفة "الاتحاد" الفلسطينية الذي حضنني"ولدا"، وعلمني أن أكتب للناس، وأن أناهض سياسات إسرائيل وحروبها. وليس هناك أعز من بيت تأتوي إليه وكان قد آوى كبار كتاب وأدباء وصحافيي فلسطين، حتى جاءت قذيفة غير مقصودة، تضرب نفس البيت الذي قاوم كل حروب إسرائيل، فكانت الشماتة من أعداء ذلك البيت أكبر!

ما كان بالإمكان لوم السيد نصرالله، وهذا هو الشعور العام لدى الغالبية الساحقة من الجماهير الفلسطينية، هو يقاوم عدوا شرسا فاقدا لأدنى المشاعر الإنسانية. فحين يتم تدمير لبنان، لا يبقى أمامه إلا الرد، ومن زج بالمدنيين في الحرب كانت إسرائيل نفسها. بل ان نصر الله كان حريصا في خطابه الأخير على الإشارة إلى أنه لا يستهدف المدنيين بشكل خاص، كل المدنيين، وقال لإسرائيل تعالي للمواجهة العسكرية واتركي المدنيين. أما الرد فهو مطالبة 91% من جنود إسرائيل قيادتهم بـ"مسح" كل قرى جنوب لبنان كليا، "لتسوية الأرض" أمامهم في حربهم وعدوانهم!

لم يكن منذ حرب العام 1948 دور للفلسطينيين في حروب إسرائيل العدوانية، كالدور الذي فرض عليهم في هذه الحرب الشرسة. فرغم أنهم وقفوا طوال الوقت وناضلوا ضد كل الحروب، وكان لهم دور فعّال في تحريك الرأي العام الإسرائيلي ضد الحرب على لبنان في العام 1982، إلا أنهم في هذه الحرب أصبحوا أيضا الضحية المباشرة للحرب التي يناهضونها.

بلغة الحرب وسفك الدماء ومنطقهما، فإن مقياس الدموع والألم مرتبط بالعدد، رغم ان لكل انسان عالما قائما بحد ذاته؛ ولا أقسى من ذلك الشعور حين نضطر إلى القول ان هناك 17 شهيدا فلسطينيا في إسرائيل، لأنه يتقزم أمام مئات الشهداء في لبنان والضفة الغربية وقطاع غزة. لكن الرقم يتضخم جدا أمام المفارقة الأكبر الكامنة في أن فلسطينيي 48 ليسوا مستهدفين عينيا بقذائف المقاومة اللبنانية، بينما هم مستهدفون من الحكومة الإسرائيلية نفسها، والتي جنّدت الرأي العام الإسرائيلي ضدهم، نظرا لموقفهم المناهض للحرب والمتضامن مع الشعب اللبناني الشقيق. وقد برزت الحملة الإسرائيلية في التحريض الدموي الشرس على قادتهم السياسيين، وخاصة أعضاء الكنيست العرب.

ولم تكتف إسرائيل بهذا، فهي تهمل الفلسطينيين، ولا تضمن لهم وسائل الوقاية والحماية التي تضمنها لليهود. وحين تُضرب أي بلدة عربية، ولا سيما حيفا، فإنها تسعى إلى استثمار ذلك سياسيا في شتى الاتجاهات، نحو العالم، وأيضا نحونا نحن الفلسطينيين، لتحرض على المقاومة اللبنانية، وعلى حاملي الخطاب السياسي الوطني المناهض لسياسات إسرائيل. وباتت تجنّد هذه الحكومة مؤخرا اقلاما مأجورة من اتباعها ليكتبوا ضد الأجواء العامة بيننا، في محاولة لاختلاق صورة سياسية مزيفة تختلف كليا عن المشهد السياسي العام لدينا.

إن الصراع الداخلي في نفوسنا ليس سهلا، بين حماية النفس والأرض والبيت والذاكرة، وبين فهم جراح الشعب الشقيق، ففي النهاية كل هذا يلتقي مجتمعا في ذات النفس وذات البيت.

أعذروني إن تداخلت المشاعر الخاصة هنا، فلسان الحال يقول اليوم للشعب اللبناني الشقيق ما قاله شاعرنا الكبير توفيق زيّاد: "ومأساتي التي أحيا نصيبي من مآسيكم".

صحافي كاتب سياسي-الناصرة

bjaraisi@yahoo.com

التعليق