الإحباط الإسرائيلي يستدعي حربا أوسع

تم نشره في الخميس 10 آب / أغسطس 2006. 03:00 صباحاً

لم يكن رئيس الحكومة الإسرائيلية، إيهود أولمرت، في المؤتمر الصحافي الذي عقده يوم الثلاثاء من هذا الاسبوع، بحضور الرئيس الإسرائيلي موشيه كتساب، هو أولمرت نفسه الذي كنا نشاهده حتى قبل أسبوع، على الأقل، فقد بدت على وجهه علامات الإحباط والتعب، على ضوء نتائج حربه الشرسة على لبنان، وهذا لا ينحصر على أولمرت، بل هو ملموس في الأجواء العامة في إسرائيل.

وتشير عدة معطيات إلى أن أولمرت بدأ يتصرف بدافع القلق واستيعاب الورطة في الأيام الأخيرة، ومن بين هذه المعطيات، الاجتماع الطارئ الذي عقده لعشرين مستشارا إعلاميا يعملون في ديوان رئاسة الحكومة والوزارات ذات الشأن السياسي والعسكري، وعبر فيه عن امتعاضه من "الانقلاب" الحاصل في وسائل الإعلام العالمية، ضد إسرائيل، على ضوء الصور والمشاهد الفظيعة القادمة من جميع أنحاء لبنان.

وطلب أولمرت من الإعلاميين المشاركين إتباع أساليب جديدة، وحتى أنه طلب الكشف عن مشاهد "مأساوية" في إسرائيل، مثل، أن مئات آلاف الإسرائيليين نزحوا عن منطقة الشمال، رغم أن أحدا منهم لا يقيم في خيمة، ولا يبحث عن مأوى، ومشاهد القتلى والجنازات، رغم أن إسرائيل نفسها تقلل من هذه المشاهد في وسائل إعلامها، وحتى أن قائد المنطقة الشمالية في الجيش الإسرائيلي، اللواء أودي آدم، طلب رسميا عدم إحصاء القتلى في إسرائيل خلال الحرب.

فالإحباط الإسرائيلي نابع من عدة حقائق اعترفت فيها إسرائيل ضمنا، وأصبحت كاللازمة في تحليلات كبار المحللين وصُناع الرأي العام في إسرائيل، وعلى رأس هذه الحقائق، أن إسرائيل فشلت فشلا ذريعا في تحقيق أهدافها، التي وضعتها في اليوم الأول للحرب، وهي تبحث اليوم عن مسوغات جديدة "للإنجازات" التي ترغب في نسبها إليها، مثل: "جعل القرار الدولي 1559 الشغل الشاغل للأسرة الدولية، وإثارة الموضوع بشكل أقوى على الساحة اللبنانية".

إسرائيل كانت تتحدث عن القضاء على حزب الله والمقاومة اللبنانية في غضون ثلاثة إلى عشرة أيام، وفي هذا الأسبوع تنهي شهرها الأول، وأن شيئا كهذا لم يحصل، وهذا تلمسه إسرائيل يوميا من خلال خسائرها في الأرواح، من بين الجنود والمدنيين، وقد كثرت المعلومات التي تؤكد أن إسرائيل تتلاعب بالمعطيات وتخفي الأرقام الحقيقية.

وهذا ما يظهر أمام الرأي العام الإسرائيلي على انه هزيمة "لهيبة إسرائيل العسكرية"، هذا الرأي العام الذي تمت تعبئته إلى جانب الحرب، وتم رفع مستوى "العنجهية" والخطاب الاستعلائي الداخلي في إسرائيل إلى مستويات لم نشهدها في السنوات الأخيرة.

وما يزيد من ضرب "هيبة إسرائيل" هو ميزان الدماء، هذا الميزان الرهيب، اللإنساني، الذي يقلق إسرائيل دائما في كل حرب، وفي كل مواجهة عسكرية، فحسب العقلية العسكرية الإسرائيلية، فإن "المطلوب" الحفاظ على فجوة كبيرة جدا بين عدد القتلى في إسرائيل وبين عددهم لدى "العدو"، وعلى ما يبدو فإن مقتل نحو 112 شخصا في إسرائيل من جنود ومدنيين، على حد الاعتراف الرسمي، مقابل أكثر من ألف لبناني، فإنه لا يجعل "الميزان الدموي" في صالح إسرائيل، و"على إسرائيل أن تثبت أفضليتها الرقمية"، كما جاء في كلمة صحيفة "هآرتس"، التي سنأتي عليها هنا.

الأمر الآخر الذي تضج به إسرائيل هو أن الحكومة والجيش الإسرائيلي، كما يكتب المحللون الإسرائيليون، خيبّوا أمل "الأخت الأكبر"، الولايات المتحدة الأميركية، التي كانت تتوخى من إسرائيل "أن تنجز المهمة" بالفترة الأولى التي أعطيت لها، ولكن إسرائيل، "لا تزود البضاعة للإدارة الأميركية"، كما كتب كبير المحللين العسكريين الإسرائيليين زئيف شيف، قبل عدة أيام.

ويضاف إلى كل هذا أن الحرب بدأت أيامها تطول، لتتحقق "تقديرات" قادة جيش الاحتلال، في الأسبوع الأول للحرب، إلا أن مجريات الحرب وتصعيدها، تثبت ان ما يجري الآن ليس "تحقيقا" للتوقعات، وإنما تطبيقا لمخططات إسرائيلية مبيّتة، وبإشراف أميركي مباشر.

هذه الحقائق المثبتة على أرض الواقع، ونقرأ عنها يوميا في إسرائيل، قادت في الأيام القليلة الأخيرة إلى أجواء أخرى، في الحلبتين السياسية والعسكرية، ولكن بشكل خاص لدى المحللين وصناع الرأي العام في إسرائيل، أجواء تسيطر عليها العصبية، وتدعو إلى توسيع الحرب، ويجري الحديث عن كتاب لهم تأثيرهم القوي ليس فقط على الشارع الإسرائيلي، وإنما أيضا على سدة الحكم.

الإثبات الأبرز لهذه الأجواء في إسرائيل ظهر بشكل واضح في كلمة هيئة تحرير صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية (في عددها الصادر يوم الثلاثاء من هذا الاسبوع) وهي على الرغم من قلة انتشارها، إلا أنها صحيفة "النخبة" السياسية والاقتصادية، وغيرها، وهي مؤشر للكثير من التحركات في سدة الحكم في إسرائيل، فهذه الصحيفة المحسوبة على اليسار الصهيوني، وقفت بشكل واضح ضد الحرب منذ يومها الأول، وإن في بعض الأحيان تلاعبت في بعض الصياغات، إلا أنها كانت تؤكد ان الحل سيكون فقط من خلال المفاوضات. كذلك فإنها الصحيفة الأبرز التي اتخذت موقفا مناهضا للحرب على لبنان 1982، وأكثر صحيفة تكرر معالجة "دروس" حرب لبنان الأولى.

وفي هذا الاسبوع، ظهر التحول بـ 180 درجة، ولأول مرة تدعو هيئة التحرير في كلمتها إلى توسيع الحرب، و"اختطاف انتصار ممكن"، حسب عنوان كلمة العدد، التي جاء فيها: "لربما ليس متأخرا جدا أن نطلب من الجيش أن لا يُبقي إسرائيل في نهاية الحرب مهزومة ومعرّضة لكل عصابة إرهاب تقف على حدود إسرائيل وتنوي إطلاق الصواريخ تجاه مواطنيها". وجاء في ختام الكلمة: "الآن في لحظة متأخرة، ولكنها مصيرية لهذه المعركة، من واجب الجيش الإسرائيلي أن يعرض ويوصي ويدفع ويفرض ويطلب مصادقة سياسية، فالموافقة الشعبية أصبحت لديه، لاختطاف انتصار من أنياب الهزيمة المقتربة". ومجريات الكلمة المذكورة، تحدث عن اجتياح واسع النطاق إلى الجنوب اللبناني، ولكن أولمرت أوضح أن "لا حدود لتقدم الجيش في لبنان".

الآن تكثر الأصوات التي تدعو إلى أوسع اجتياح للبنان، رغم دروس الماضي، التي أكدت لإسرائيل نفسها أن تعداد الجنود الكبير وعتاده الضخم والمتطور لن يحقق لها الانتصار، فهذا ما كان في الحرب على لبنان في العام 1982، وحتى هذا ما كان أمام انتفاضة الحجر الفلسطينية التي انطلقت في نهاية العام 1987، وهذا أيضا اتضح من شكل خروج اسرائيل من جنوب لبنان في العام 2000.

قررت إسرائيل اليوم إتباع الأسلوب نفسه الذي اتبعته على مدى عشرات السنوات للخروج من أزمتها الجديدة التي فرضتها على نفسها، وهو التصعيد الدموي، إلا أن المعطيات السياسية والميدانية، تؤكد أن إسكات هذه الحرب ابعد مما نسمع، ولكن متى هدأت الحرب أو سكتت، فإن إسرائيل ستغوص في أزمة سياسية بالأساس، ولكن أيضا اقتصادية، لم تكن على جدول اعمال حكومة أولمرت، التي تنهي هذا الاسبوع شهرها الثالث، أمضت شهرين منهما في حرب على الشعبين الفلسطيني واللبناني.

صحافي وكاتب سياسي- الناصرة

bjaraisi@yahoo.com

التعليق