محمد أبو رمان

في المحصلة الكلية للصراع

تم نشره في الخميس 3 آب / أغسطس 2006. 03:00 صباحاً

في مقاله المنشور مؤخراً في "الغد" يرى الكاتب والمثقف الليبرالي اللبناني المبدع حازم صاغية أنّ ثمة اتجاها فكريا وسياسيا عربيا- إسلاميا يواجه مشكلة كبيرة في احتساب الأرباح والخسائر؛ فيعتقد أنه بمجرد صمود حزب الله وتكبيد الجيش الإسرائيلي عددا من القتلى فإنّ المقاومة تكون قد انتصرت، ونحقق بذلك انجازاً تاريخياً، من دون احتساب ما لحق بنا من أضرار وتشريد وقتل. فانتصارنا بات يختزل في بقائنا على قيد الحياة. وهو، وفقاً لصاغية، مفهوم خطير يتجاوز النتائج الكارثية للعدوان والأضرار الانسانية والفرق الهائل في ميزان القوى بين المقاومة وإسرائيل، ليس فقط في المجال العسكري، بل في المجالات الثقافية والحضارية الأخرى.

صاغية محق في كثير مما ذهب إليه في مقاله، لكننا أيضاً، وواقعياً، لا نستطيع اختزال محصلة العدوان الكلية بالآثار الإنسانية والعسكرية، ولا بميزان القوى الحالي. وما أدهشني، بحق، هو الالتقاء الكبير بين ما يذهب إليه صاغية وما يقوله المحلل الاستراتيجي الصهيوني، "باري روبن"، في مقاله "كيف نفهم العقلية العسكرية العربية"؛ فروبن يتهم العقلية العربية باللاعقلانية وعدم القدرة على الاعتراف بالهزيمة، من خلال عقد صفقة تاريخية مع الطرف المنتصر، أي إسرائيل. وإذا كنت أتفق مع الكاتبين في نقد جزء كبير من قراءتنا الخاطئة للحرب على لبنان، إلا أنني اختلف معهما بتعريف العامل الفاعل الحالي بأنه "روحاني"، وليس "لا عقلانيا"!

فثمة أبعاد فكرية ونفسية أبعد غوراً وأشد تأثيرا تضع بصماتها، التي تظهر مع مرور الوقت، في قياس المحصلة النهائية للصراع، وهي أبعد من الآثار المباشرة المحسوسة. فقد تحقق اسرائيل نصراً عسكرياً في ظل ميزان قوى مختل تماماً، وربما تتمكن من دفع حزب الله إلى الداخل اللبناني، وتؤمن حدودها الشمالية بوجود القوات الدولية، غالباً من حلف الناتو. لكن ليست هذه هي المحصلة النهائية للوضع الإقليمي، ولا تقف التداعيات عند المستوى الأمني والعسكري؛ فنحن أمام شعوب ومجتمعات غير مستقرة، لها ثقافتها وميراثها وروحها الحضارية القلقة، لا تهدأ، ربما لا تمتلك ميزان القوى المطلوب اليوم للإجابة الموضوعية عن سؤال الكرامة والرد العسكري على العدوان والاحتلال، لكنها لن تتقبل واقع الهزيمة الراهن.

يكفي، لمناقشة هذا الموضوع، العودة إلى الشرق الأوسط عشية حرب العراق؛ فالانتفاضة الفلسطينية ضعيفة، وقد وصلت إلى طرق مسدود، أميركا الحقت بالقاعدة هزيمة مدوية ومسحت نظام طالبان عن الوجود، وتحضر لاحتلال العراق لإعادة ترتيب المنطقة، وحالة من العجز التام تسم النظام العربي.

وعلى الرغم من أن احتلال العراق كان سريعاً، وجاء وقع الكارثة شديداً ومخيباً للآمال، فصدمت الشعوب، بحال الجيوش التي ينفق عليها المليارات، وبواقع الحكومات الهش كبيت العنكبوت. إلاّ أنّ هذه الهزيمة التاريخية المدوية، لم تكن لتقدم العراق أو الشرق الأوسط على طبق من ذهب لأميركا وإسرائيل. فسرعان ما اندلعت أعمال القتال، ودخل العراق في حرب "ما بعد الحرب"، وتحول إلى جحيم للإدارة الأميركية، ومصدر لعدم الاستقرار الإقليمي، وحاضنة جديدة لتفريخ خلايا القاعدة، في العديد من الدول.

 وإذا كان من المبكر قراءة التداعيات النفسية- الاجتماعية والفكرية بعيدة المدى للعدوان على لبنان، فإنّ إحدى النتائج الأولية تتمثل باعادة انتاج النزعة الطائفية، التي برزت مع احتلال العراق، وقد وصل الأمر إلى حالة أقرب للحرب الأهلية بين المسلمين. وإذا كان بعض المثقفين والسياسيين الأميركيين تحدثوا، في السنوات الأخيرة، عن "إسلام شيعي" حليف في مواجهة "الإسلام السني- الوهابي"، الذي تمثله القاعدة والحركات الإسلامية المعادية لأميركا وإسرائيل، فإنّ الحرب اللبنانية خلقت بوادر "شراكة" بين المقاومة الوهابية والشيعية في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل، وإذا ما تم بالفعل تجاوز الآثار السلبية للتجربة العراقية، فإنّ الحالة الأمنية مرشحة للانفجار في المنطقة، وإذا لم يتم ذلك فلا أقل من القول: إن فكرة "الحليف الشيعي" انتهت.

ومن الظواهر الجديدة، التي يشير إليها الخبراء الأميركيون، ضعف النظم الحليفة للولايات المتحدة، وتضاؤل دورها، في مقابل صعود كبير للتيارات الإسلامية بشقها المسلح والسياسي، لتصبح لاعباً إقليمياً رئيساً، وتمسك في كثير من الدول بالشارع، ما يشير إلى إمكانية حدوث تحولات سياسية نوعية في المرحلة القادمة. 

 على الصعيد الفكري فإنّ أحد أبرز التجليات الأولية للحرب اللبنانية، تراجع التيارات الليبرالية والوطنية والتنموية لصالح صوت المقاومة والجهاد، الذي يكاد يجتاح الشارع، إلى الدرجة التي يرثي فيها بعض الكتاب "الإنسان العربي المعتدل" وينزع كاتب ليبرالي كجهاد الخازن اعترافه بإسرائيل وقبوله بالتسوية.

 السؤال: ألا تدخل هذه الآثار النفسية والفكرية والاجتماعية في المحصلة الكلية للصراع؟!

m.aburumman@alghad.jo

التعليق