خسائر إسرائيل الاقتصادية في الحرب

تم نشره في الجمعة 28 تموز / يوليو 2006. 02:00 صباحاً

اتسعت في إسرائيل، في الأيام الأخيرة، مطالبة الحكومة بأن تعلن حالة الحرب في إسرائيل، ليتم تطبيق سلسلة من قوانين الطوارئ، والأهم من ناحية المطالبين، لتكون الحكومة ملزمة قانونيا بتغطية الخسائر الاقتصادية التي أصبحت تتراكم منذ اليوم الأول للحرب العدوانية على لبنان وشعبه.

ورغم أن إسرائيل نفسها بادرت للحرب المتسعة عل لبنان، إلا أنها فاجأت الأوساط الاقتصادية، الرسمية والخاصة، كون الحرب لم تندرج في لائحة توقعاتهم المستقبلية للنمو الاقتصادي في إسرائيل، الذي عاد ليرفع رأسه بعد أربع سنوات من الركود، من العام 2001 وحتى العام 2004، بفعل العدوان الإسرائيلي على الضفة الغربية وقطاع غزة، الذي انطلق في خريف العام 2000.

لقد أمسكت الحرب إسرائيل، وهي تعلن عن مؤشرات تشير إلى ازدهار اقتصادي جديد، ففي مطلع الشهر الحالي، أعلنت الأوساط الاقتصادية، بشكل احتفالي، أن النمو الاقتصادي في الربع الأول من العام الحالي 2006 بلغ 6%، ليفوق كل التوقعات، وليرفع توقعات النمو للعام الحالي إلى حد 5,5%.

وأعلنت وزارة المالية أن ميزانية العام الماضي 2005 انتهت بفائض مالي من دون عجز، وهو أيضا خلافا للتوقعات، وهذا إلى جانب فائض في الخزينة من جباية الضرائب، الأمر الذي ساعد الحكومة على تخفيض ضريبة القيمة المضافة على المشتريات من 16.5% إلى 15.5%، وكان يجري الحديث، قبل الحرب، عن تخفيض إضافي بنسبة 1% في العام القادم 2007.

كذلك فقد شهد سوق العمل استقرارا معينا بنسبة البطالة، في حدود 8.9%، رغم أن الواقع الميداني، يؤكد أن هذه النسبة ليست دقيقة، ولكن على الأقل هناك حالة استقرار في البطالة، ولا ترتفع.

ومن بين المعطيات التي تشير إلى قفزة في الاقتصاد الإسرائيلي، ارتفاع معدل الرواتب (غير الصافية) في إسرائيل من 7100 شيكل (1580 دولار) في مطلع العام الماضي 2004، إلى حوالي 7500 شيكل (1668 دولارا) في شهر أيار (مايو) الماضي.

وارتفع عدد السياح في العام الماضي 2005 إلى قرابة 2,5 مليون سائح، وكان من المتوقع وصول العدد، قبل الحرب، إلى ثلاثة ملايين سائح في العام الحالي 2006، بعد انهيار السياحة في السنوات الأخيرة.

أما من حيث التضخم المالي، فإن النشاط الاقتصادي المتزايد في العامين الأخيرين، عكس نفسه أيضا على نسب التضخم، فبعد سنوات من الركود، الذي جعل التضخم المالي يلامس نسبة صفر بالمائة، فإنه في النصف الأول من العام الحالي بلغ التضخم نسبة 1.6%، في حين أن السقف الذي وضعته الحكومة للتضخم في هذا العام يتراوح ما بين 1% إلى 3%.

وحتى الآن فإن كل التقديرات للخسائر الاقتصادية وكلفة الحرب، ظهرت قبل أن يباشر جيش الاحتلال بعدوانه البري، الذي يزيد التكلفة الحربية، والأهم أنه مؤشر لإطالة أمد الحرب، فمن حيث التكلفة العسكرية جرى الحديث بداية عن ما بين 11 مليون دولار إلى 22 مليون دولار يوميا، وهذا قبل أن تبدأ إسرائيل بإحصاء خسائرها المتراكمة، بفعل المقاومة اللبنانية العنيدة.

وعلى الصعيد الاقتصادي، فقد جرى الحديث عن خسائر مباشرة للاقتصاد بقيمة110 ملايين دولار يوميا، من بينها 90 مليون دولار في المنطقة الشمالية وحدها، المشلولة اقتصاديا، كونها تحت قصف المقاومة اللبنانية.

ولكن الخسائر الأكبر التي تتخوف منها إسرائيل، في حالة طالت الحرب، هي تلك التي ستنجم في حال هرب كبار الممولين الأجانب، وحتى الإسرائيليين، إلى الخارج، بحثا عن أسواق جديدة، مما يعني ضربة جديدة للاقتصاد، الذي لا يزال يسدد خسائر السنوات الماضية، فحتى اللحظة، تحاول الحكومة والأوساط الاقتصادية الرسمية تهدئة الأجواء، بزعم أن الاقتصاد الإسرائيلي حصين، وان الحرب لن تطول لفترة طويلة.

حتى الآن لم نشهد ضربات كبيرة مرئية للاقتصاد الإسرائيلي، متمثلة بسعر صرف العملة المحلية "الشيكل"، مقابل الدولار، أو في أسواق المال والبورصة، ففي الأيام الأربعة الأولى تراجع سعر صرف الشيكل بنسبة 3%، ولكن سرعان ما تراجعت هذه النسبة ليعود إلى المعدل الذي كان متداولا حتى قبل نشوب الحرب، من 4.4 شيكل إلى 4.5 شيكل أمام الدولار.

أما في البورصة، فهي أيضا شهدت انهيارا فوريا بنسبة 8%، ولكن هي أيضا سرعان ما عوضت في الأيام القليلة التالية، وفي الأسبوعين الأولين للحرب، شهدت نسب ارتفاع وهبوط بالنسب "الطبيعية المعروفة في الأسواق العالمية، ما بين 2% إلى 3%، ارتفاعا وهبوطا".

لقد شهدنا في الأيام الأولى للحرب تسارع كبار المسؤولين الإسرائيليين لتهدئة أجواء القلق من ضربات اقتصادية محتملة، وعلى رأس "المهدئين" كان رئيس الحكومة إيهود أولمرت، ووزير المالية أبراهام هيرشزون.

كذلك فقد ظهر خبراء كبار شركات التوظيفات المالية ليشاركوا في حملة "التهدئة"، ويقول خبراء في بنك "ميرل لينتش" للتوظيفات المالية، إنه حتى الآن من الصعب تقدير كيفية انتهاء الصراع بين إسرائيل وحزب الله، وكيف سيؤثر هذا على الاقتصاد، ويقول أحد المسؤولين والخبراء في البنك، يسرائيل ممريل، إنه "على المدى القصير فإن الحرب تخلق على الأرض واقعا يسمح بتحقيق أرباح في السوق، ولكن على المدى البعيد فقد يزيد من هشاشة السوق"، ويقدر يسرائيل انه حتى الآن فإن الاقتصاد الإسرائيلي لم يتضرر.

أما شركة المعلومات الاقتصادية "دان أند بردستريت"، فقد توقعت أن يتكبد الاقتصاد الإسرائيلي خسائر يومية بقيمة نصف بليون شيكل (110 ملايين دولار)، بما في ذلك التكلفة العسكرية، إلا أن الشركة ذاتها ادعت انه على الرغم من هذه الخسائر فإنه لا خوف على الاقتصاد الإسرائيلي نظرا لقوته وحصانته، "التي تعتبر من الأقوى في العالم الغربي" في هذه المرحلة.

ولكن أجواء "التفاؤل"، التي تحاول بثها الأوساط الاقتصادية الرسمية، ليس من المضمون استمرارها، فقد نقل مراسلون اقتصاديون عن خبراء قولهم، "رغم التفاؤل النسبي الذي يسود السوق الآن، بأن الحرب ستنتهي سريعا، فليس من الممكن تجاهل التخوف من الانهيار الاقتصادي، الذي قد يمس بالنمو الاقتصادي ويضطر أصحاب رؤوس الأموال إخراج أموالهم من إسرائيل".

كذلك فإن بنك "ليئومي" البنك التجاري الثاني من حيث الكبر في إسرائيل سارع في الأيام الأولى للحرب إلى تعديل توقعاته بشأن النمو في إسرائيل للعام الحالي 2006، وإن كان التعديل طفيفا، من 4.7% إلى 4.5%، إلا انه يبقى مؤشر قلق.

إن استمرار الحرب لفترة أطول سيعيد الاقتصاد الإسرائيلي سنوات إلى الوراء، ولن نستغرب أن يكون العامل الاقتصادي ضاغطا، "غير معلن"، على الحكومة للإسراع في وضع حد لحربها العدوانية.

كذلك فإن السؤال الذي سيظهر حتما في الأيام الأخيرة هو من سيسدد فاتورة الحرب، فقد بدأت تظهر أصوات في إسرائيل تطالب بإعادة رفع ضريبة القيمة المضافة على المشتريات، بنسبة 1%، بعد أن انخفضت في مطلع الشهر الجاري، تموز (يوليو)، لتعوض الصرف على الخسائر العسكرية والاقتصادية.

وكان أولمرت وهيرشزون أعلنا أن الصرف على الجانب العسكري سيتم صرفه من الاحتياطي في الميزانية للعام الحالي، بقيمة 132 مليون دولار، وبقيمة 220 مليون دولار من احتياطي العام المقبل.

إلا أن هذا لا يغطي كل الخسائر الاقتصادية، وقد علمت التجربة أن إسرائيل ستتوجه سراً، أم علنا، إلى الإدارة الأميركية "شاكرة دعمها المعنوي"، وتقول لها إن الشكر سيكون أكبر في حال "تفضلت" الإدارة الأميركية وترجمت هذا الدعم إلى مالي، وأيضا هنا علمت التجربة أن أميركا جاهزة لكل دعم اقتصادي طالما انه يخدم مصالحها العسكرية في المنطقة.

إن الحماس المتزايد لاستمرار الحرب الذي نسمعه من قادة البيت الأبيض، أصبح يتراجع شيئا فشيء في الشارع الإسرائيلي بالذات.

صحافي وكاتب سياسي- الناصرة

bjaraisi@yahoo.com

التعليق