د.باسم الطويسي

الشرق الأوسط الجديد!

تم نشره في الأحد 23 تموز / يوليو 2006. 03:00 صباحاً

تكاد تكون الحروب والجبهات الوحيدة المشتعلة في العالم في هذا الوقت وعلى امتداد القارات الخمس عربية صرفة؛ العدوانية الاحتلالية الإسرائيلية في فلسطين وآخر حلقاتها التدمير المنظم لقطاع غزة وهي تشكل آخر احتلال باق في العالم، والعدوانية الإسرائيلية على لبنان التي تمثل آخر أشكال البربرية التي تحميها قيم النظام العالمي السائد، وجبهة الاحتلال الأميركي للعراق الذي يمثل الاحتلال الوحيد في العالم لدولة بأكملها بحجم العراق، وباسم الشرعية الدولية وباختراق إقليمي وعبث مرير وحرب أهلية غير معترف بها، ثم جبهة الاقتتال الداخلي في دارفور السودانية، وأخيرا جبهة الاقتتال الصومالي وما فيها من اختراقات إقليمية ودولية انتهت إلى غزو إثيوبي؛ باختصار هذه صورة الشرق الأوسط الجديدة التي تنتظر وزيرة الخارجية الأميركية القادمة اليوم لقياس درجة حرارة النار اللبنانية.

ما الذي يجمع بين هذه الجبهات غير هوية ميادين الصراعات وساحاتها! وغير كونها أخر الحروب والجبهات المفتوحة في العالم الجديد! الأهم من ذلك انها من صنيع النظام العالمي الراهن باستثناء الجبهة الفلسطينية التي صنعتها أنظمة دولية سابقة، بينما يسعى هذا النظام إلى تصفيتها . فالنظام العالمي الذي وعد بتغيير المنطقة بعصاه السحرية وبتحريك التاريخ الراكد فيها، ومنذ ان شهد العالم ميلاده فوق رمال الصحراء العربية قبل عقد ونصف، لايزال كلما أطفأ حريقا في جهات العالم الأخرى أو عمل على تهدئة بؤر صراعات في مناطق أخرى، يعمد إلى فتح جبهات جديدة تحاصر جغرافيا النفط والمضائق المائية وتحرس امن إسرائيل.

وبينما تشكل حروب الاقتتال والصراعات الداخلية، وما يصاحبها من اختراقات إقليمية مظهرا بارزا لتفاعلات النظام العالمي في الشرق الأوسط، فإن هذه التفاعلات أخذت بالتراجع في أقاليم عديدة من العالم. كل هذا الحراك الاستراتيجي من حروب جديدة وصراعات مركزية قديمة يتم إعادة تأهيلها جميعها تبحث عن فرض وقائع جديدة في الشرق الأوسط، وأحد ابرز التعبيرات الراهنة عنه صدام استراتيجيات إقليمية لا مفر منه.

كان النظام الدولي السابق يمارس عشرات الحروب في طول الكرة الأرضية وعرضها من خلال قوى محلية وإقليمية دون ان تطلق القوتان المسيطرتان على ذلك النظام رصاصة واحدة، وحيث اختفى هذا النمط من السجال الاستراتيجي في معظم أنحاء العالم فان الولايات المتحدة لا تريده ان ينتهي من الشرق الأوسط، الفرق الوحيدة ان القوى العظمى الوحيدة كثيرا ما تمارس توزيع الأدوار بين الخصوم.

تدخل وزيرة الخارجية الأميركية اليوم على خط الحراك الدبلوماسي بعد عشرة أيام من انطلاق الحرب العدوانية على لبنان، وتعد بتسوية تقود إلى شرق أوسط جديد، ولا يدري احد ما شكل هذا الشرق الأوسط الموعود بعد كل هذه الحرائق والحروب. بكلمات أخرى هل بدأ الأميركيون مسيرة حسم الصراع الخفي على قيادة الشرق الأوسط الكبير أو الجديد الذي يعاني من فراغ واختلالات في توزيع القوة ساهمت في فتح الجبهات الجديدة واشتعال جبهات قديمة؟

المنطق في هذه الأثناء لا يذهب نحو التساؤل عن الرؤية الاستراتيجية الأميركية، أي الصورة الذهنية التي تراها الولايات المتحدة لمستقبل هذه المنطقة، بل ان السؤال الجاد ينحى باتجاه هل هذه الجبهات المفتوحة والاحتلالات المتلاحقة أوصلت المنطقة إلى مستوى من الطبخ والنضج تقبل ان تسقط عليها الرؤية الأميركية الجاهزة منذ سنوات، حيث ستصمت الجبهات برهة  لكي يعلن عن موقع قيادة الشرق الأوسط الكبير أو الجديد لا فرق؟

في رحلتها الأولى بعد تسلم مهام منصبها الجديد نحو أوروبا والشرق الأوسط قبل عامين قامت رايس بتوزيع أطالس للخرائط الجغرافية بطبعة جديدة على الطاقم الدبلوماسي والصحافي المرافق لها على متن الطائرة، ربما حملت تلك الخطوة الرمزية دلالات عميقة لمرحلة جديدة في إعادة صياغة الجغرافيا السياسية للعالم الذي طالما تحدثت عنها الأخبار.

لا ندري ماذا أبقت الحروب والاقتتالات من الخرائط القديمة والجديدة وعلى من ستوزع هداياها هذه المرة من أطالس وخرائط جديدة !

basimtwissi@hotmail.com

التعليق