الإعلام الإسرائيلي في الحرب

تم نشره في السبت 22 تموز / يوليو 2006. 03:00 صباحاً

منذ اللحظة الأولى للحرب الإسرائيلية العدوانية على لبنان وشعبه، تجندت كبرى وسائل الإعلام والكتّاب، صناع الرأي العام في إسرائيل، إلى جانب حكومتهم، لا بل حثوها على تصعيد الحرب وجعلها واسعة وشاملة، وحتى هناك من دعا إلى "انتهاز الفرصة لتصفية الحساب مع سورية وإيران".

وكان واضحا أن المؤسستين العسكرية والسياسية أرادتا بداية ضمان "الجبهة الداخلية" في إسرائيل، بمعنى رأي عام مساند للحرب، وهذه مهمة تولتها كبرى وسائل الإعلام التجارية قبل الرسمية، باستثناء بعض الأصوات، خاصة في صحيفة "هآرتس" ذات الطابع اليساري الصهيوني، التي حذرت من "غرق جديد في الوحل اللبناني".

وليس صدفة أن رئيس الحكومة إيهود أولمرت خصص جلّ خطابه أمام البرلمان الإسرائيلي (الكنيست)، بعد خمسة أيام من شن الحرب، لمخاطبة الجمهور الإسرائيلي، "ممتدحا" وقوفه إلى جانب الحكومة والجيش، وطالبا المزيد من الدعم لأن "المعركة قد تكون طويلة".

وعلى ما يبدو فإن ما جال في عقول قادة الحرب الإسرائيليين هي حركة الاحتجاج الشعبية الواسعة التي انطلقت في نهاية صيف العام 1982 ضد الحرب في لبنان، وكذلك خلال الانتفاضة الشعبية الفلسطينية التي انطلقت في نهاية العام 1987.

ولكن ما غاب عن هذه العقول أن حركات الاحتجاج الواسعة هذه انطلقت في لحظة متأخرة، ففي العام 1982، جاءت الحركة الأوسع بعد مرور أكثر من ثلاثة اشهر على الحرب، بعد أن بدأت إسرائيل تعد قتلاها بالعشرات، وبعد مجزرة صبرا وشاتيلا، ففي حينه كانت أصوات قليلة في الشارع اليهودي عارضت الحرب منذ لحظتها الأولى، إلا أن الحركة الأوسع كانت متأخرة، والأمر نفسه سرى على الانتفاضة الشعبية الفلسطينية "الأولى".

وعلمت التجربة أنه عند انطلاق شرارة الحرب تكون الأجواء العامة في اسرائيل متراصة حول "ضرورة الحرب"، وتطغى على هذا أجواء الغطرسة، وأوهام "القضاء على العدو الحاقد".

لقد دخل أولمرت إلى هذه الحرب، والى جانبه "العسكري الصغير"، وزير الحرب عمير بيرتس في أسفل درجات التأييد الشعبي، إلى درجة الاستهزاء بهما كونهما من دون أي رصيد عسكري قيادي، وتنبهت إلى ذلك أكبر صحيفتين، "يديعوت أحرنوت" و"معاريف" اللتين نشرتا معطيات استطلاعين منفصلين، يشيران إلى قفزة عالية في التأييد لهما كليهما، وبخلاف تام عن استطلاع نشر قبل أسبوع من بدء العدوان، فقد قفز التأييد لأولمرت من 41% إلى 78%، ولعمير بيرتس من 31% إلى 71%.

ومن يقرأ نتائج هذين الاستطلاعين يشعر، منذ اللحظة الأولى، الفبركة الحاصلة بخاصة حين يدعي الاستطلاع أنه يشمل شرائح الجمهور كافة في إسرائيل، ما يعني العرب أيضا الذين يشكلون 18% من المواطنين، وبالوقت نفسه يتحدث الاستطلاع عن تأييد للحرب بنسبة 81% بمعنى أن جميع اليهود يؤيدون "الزعيمين" اللذين لمعا فجأة.

وكان واضحا من كل هذا أن الهدف هو رفع المعنويات، إلا أن هذه الزفة الهستيرية في الشارع الاسرائيلي، على ما يبدو، أوشكت على نهايتها، على الأقل من حيث حجمها، فقرع طبول الحرب يتواصل، ولكن هناك بعض "الطبول" أصبحت تترنح وأصواتها تخفت، وهذا ما بتنا نقرأه جيدا، بعد انتهاء الأسبوع الأول للحرب.

ومرة أخرى نتحدث هنا عن أقلام ومحللين بارزين جدا، تؤخذ كتاباتهم بالحسبان في أعلى المستويات السياسية في إسرائيل، وعلى رأسهم كبير المحللين العسكريين زئيف شيف، الذي غنى للحرب حتى بُحّ صوته بسرعة، خلال أيام معدودة، لنقرأ حديثه عن "أخطاء استراتيجية" ترتكبها إسرائيل، "وعلى رأسها" من وجهة نظر شيف، إجبار آلاف اللبنانيين على النزوح من بيوتهم.

ويقول شيف: "مع انتهاء اليوم الثامن للحرب ضد حزب الله لا مفر من الاستنتاج بأن الحرب تتعقد، وأفضل إثبات على هذا هو القرار بطرد جماعي للشيعة من قراهم في جنوب لبنان، فقط لأن حزب الله يخبئ في هذه القرى قذائف، فهذا قرار خاطئ من الناحية الاستراتيجية، وإذا ما بقي القرار على حاله فإنه ستكون المرة الأولى التي بالإمكان الادعاء ضد إسرائيل بأنها تستخدم ردا عسكريا من دون ضابط".

وفي محاولة للهروب من الخطاب المباشر، يحذر شيف من استمرار المغامرات العسكرية الإسرائيلية، ويركز بالأساس على كبار القادة السابقين في حروب إسرائيل، ويقول: " إن المقترحات المضللة الأخرى (لتوسيع وتصعيد الحرب) تدل على تعقد القتال بسبب المقترحات المتعاظمة من جهات مختلفة، من سياسيين يمينيين، وبالأساس من قادة سابقين في الجيش، ومن بينها الشروع بعملية برية واسعة في لبنان، فمقترحات كهذه ليست مقبولة على القيادة العليا للجيش".

إن ما يقلق إسرائيل الآن هو ظهور شرخ طفيف في ما نراه من تأييد دول القرار في العالم للعدوان الإسرائيلي، إن كان تأييدا صريحا، مثل الولايات المتحدة وبريطانيا، أو خجولا مثل فرنسا وروسيا وما شابه، ويحذر الكثير من المحللين الإسرائيليين، من أن إسرائيل على وشك فقدان هذا الدعم، إذا ما استمرت الحرب لفترة أطول.

ويشير المحلل السياسي في صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية، ألوف بن، إلى أن الإعلام العالمي بدأ يتغير وأصبح أكثر انتقادا لإسرائيل على ضوء المشاهد والصور الواردة من لبنان، بسبب ضرب المدنيين وإخلاء آلاف الأجانب من لبنان.

ويؤكد ألوف بن، المعروف عنه انه ينقل صورا واضحة عما يجري في أروقة الحكومة الإسرائيلية، أن أولمرت بات غارقا في معضلة استمرار الحرب أو وقفها، فاستمرارها سيورط إسرائيل على المستوى العالمي، وبالتالي الداخلي، ووقفها سيحرج أولمرت أولا على مستوى الشارع الإسرائيلي الذي لا يزال ينشد نشيد الحرب.

في الأيام الأخيرة بدأت إسرائيل تعد عشرات القتلى بين جنود احتلال، وبين مدنيين في داخل البلدات الإسرائيلية، وميزان الدم الرهيب واضح انه يميل لصالح إسرائيل، ففي حين تعد إسرائيل العشرات فإن لبنان يعد المئات، ولكن هذه الإحصائيات المتصاعدة في الشارع الإسرائيلي لها وقع كبير على الرأي العام الإسرائيلي، وبالتالي على المؤسستين العسكرية والسياسية، لأنها تمس بالأساس أجواء الغطرسة الإجرامية، وبمكانة "القوة التي لا تقهر".

وليس صدفة أن محللين عسكريين كبارا في إسرائيل انتقلوا من الحديث عن "المفاجأة التي أصيب بها حزب الله"، إلى الاعتراف بأن كل الضربات الإسرائيلية لم تسبب تراجعا ملحوظا في قوة الحزب، وينقل المحلل العسكري في صحيفة "هآرتس" عاموس هارئيل، عن مسؤولين عسكريين قولهم، "بعد ثمانية أيام متعبة، وآلاف الأطنان من القنابل التي سقطت على لبنان، فقد بقي حزب الله الخصم العنيد نفسه، الذي عرفناه عند بدء المعركة، وحتى الآن لا يُظهر هذا التنظيم أي مؤشرات انكسار".

الأيام القليلة القادمة ستكون حاسمة وتحدد طبيعة الأسابيع المقبلة علينا، فإن بقي الميزان الدولي على حاله، فمن الصعب رؤية نهاية هذه الحرب، والعكس بالعكس، ولكن علينا أن لا نستغرب أن تستدعي إسرائيل بنفسها من وراء الكواليس ضغطا دوليا عليها، لتستطيع تفسير وقف الحرب أمام الشارع الإسرائيلي، التي استمرارها سيورط إسرائيل على الأصعدة كافة؛ الداخلية قبل الخارجية. ويكتب المحلل ألوف بن بوضوح بأن هذا أحد البدائل أمام أولمرت، ويقول، "إن وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليسا رايس ستأتي إلى المنطقة في الأسبوع القادم، وهذه فرصة جيدة لوقف العملية بذريعة التجاوب مع المطلب الدولي".

صحافي وكاتب سياسي- الناصرة

bjaraisi@yahoo.com

التعليق