د.باسم الطويسي

الرأي العام العربي في اليوم التالي

تم نشره في الجمعة 21 تموز / يوليو 2006. 03:00 صباحاً

هرب العرب من بيروت يطاردهم الخوف والذعر، تاركين لأهلها الدمار والخراب نحو صمت العواصم العربية الذي لا يشبه سوى صمت المقابر التي تبارت في إجلاء رعاياها، حيث لا حراك ولا حياة في مقابر السياسة العربية ولا صدى لشعارات الممانعة والصدام؛ فالكل سواء ولا جديد سوى حقيقة واحدة عارية أمام الجميع عنوانها العجز التام الذي يجمع نزق الرافضين ودبلوماسية العقلاء.

ما الذي وصل إلى الرأي العام العربي من الوقائع اللبنانية المشتعلة، التي تجاوزت كل حدود التصور والألم الإنساني، وماذا تطرح العدوانية الإسرائيلية الجديدة على مسامع ووعي الجماهير العربية التي لم تعد قادرة على استيعاب الخرائط المتبدلة والجغرافيا السياسية المنهكة والحرائق التي وصلت أطراف ثيابهم. أول الرسائل التذكيرية التي أوصلتها مجددا هذه الحرب إلى الرأي العام العربي تبدو في إشكالية التعايش السلمي التي تطرح مجددا وبقوة مع إسرائيل وعقلها الصهيوني، وهي الفكرة التي راهن عليها العرب والعالم، وتدفنها إسرائيل بجرافاتها في غزة وبمدافعها وطائراتها في بيروت والجنوب.

الرأي العام العربي يدرك منذ تاريخ مبكر الرابط القوي بين الصهيونية والنازية، على الرغم من تباين المنطلقات الإيديولوجية والثقافية بين الحركتين؛ فهما تلتقيان في نظرتيهما تجاه الآخر وتجاه التعايش السلمي والقدرة على ممارسته، والعدوانية المفرطة بالاعتماد على قوة التدمير والابادة لفرض ما يسمى بالحسم الاستراتيجي المطلق.

الرسالة الثانية التي يدركها الشارع العربي مجددا مفادها؛ إذا كانت النازية قد آلت في النهاية إلى الانهيار والزوال بفعل عدوانيتها ونظرتها للآخر، فإنّ استمرار الصهيونية وكيانها وتمسكها بهذا المنهج نابع من حماية النظام الدولي الذي جدد الولاء لها عبر ثلاثة أنظمة دولية منذ الربع الأول من القرن العشرين الماضي. ويستكمل بالغطرسة الأميركية الرسمية التي تعيد تعريف الحقوق والشرعية كيفما تشاء. فالدم البارد الذي تكلم به الرئيس الأميركي، حينما خول إسرائيل الحق المزعوم بتدمير لبنان وابادة شعبه، أوصل رسالة قاسية إلى الرأي العام العربي بأن الحرب الإسرائيلية على لبنان هي حرب أميركية بالدرجة الأولى تخاض فوق جثة أساطير الديمقراطية؛ حتى ان بلاغة القادة الأميركيين أكثر وضوحا في الدفاع عن هذه الحرب من نظرائهم الاسرائيليين.

الرسالة القاسية الثالثة التي وصلت إلى الرأي العام ان النظم الرسمية العربية تجاوزت كل المناطق المحرمة ونزعت الصفة العربية عن تفاعلاتها الصغيرة والكبيرة نهاراً جهاراً لمصالح الأحلاف الدولية والإقليمية على حد سواء.

الرأي العام العربي الذي ما زال مشدوهاً تحت صدمة سقوط بغداد، منذ ثلاث سنوات، تلقى صدمة أخرى ضربت الرأس بالرأس هذه المرة في حجم التدمير والابادة التي وصفها البعض بأنها تجاوزت قوة التدمير الذي تلقته مدينة هيروشيما اليابانية بالقنابل النووية الأميركية، حيث تتقاسم مائة وخمسون طائرة من افتك ما أنتج المجمع الصناعي الحربي الأميركي واحدة وعشرين قرية وبلدة لبنانية على الشريط والساحل الجنوبي اللبناني وتمزقها بكل هذه البربرية.

الإسرائيليون يحشدون في الداخل في تعبئة غير مسبوقة للرأي العام وصلت إلى حد أن تحمل الصواريخ الذاهبة إلى تدمير محورين وعيترون وغيرهما تواقيع لأطفال اسرائيليين ورسوماتهم؛ أي انها معركة كل الاسرائيليين. هذه التطورات هل تصب في الحالة التي أرادها الأميركيون للجماهير العربية والتي أصابتهم بالصدمة والترويع على أبواب بغداد وما تزال إلى هذه اللحظة، ويراد بها تثبيت حالة الانفصام الوجداني والعاطفي بين العرب وقضاياهم المصيرية.

العنوان الأهم من كل ما سبق ان حرب الابادة الإسرائيلية على لبنان تضع الجماهير والرأي العام العربي في لحظة فارقة؛ انها لحظة الوضوح الاستراتيجي التي تكشف لأول مرة منذ عقدين كل الغبار السياسي والعسكري الذي عصف بهذه البقعة المعذبة من العالم العصية على الموت والحياة معاً.

basimtwissi@hotmail.com

التعليق