محمد أبو رمان

أبعد من مواجهة عسكرية

تم نشره في الأربعاء 19 تموز / يوليو 2006. 03:00 صباحاً

تمثل هذه الحرب، التي تدور رحاها بين إسرائيل وحزب الله، عاملاً رئيساً في صوغ ملامح المرحلة القادمة في منطقة الشرق الأوسط، التي تشهد فوضى إقليمية في سياق فترة انتقالية عابرة لا يمكن أن تدوم أكثر من ذلك.

فثمة متغيرات خطيرة وبنيوية شهدتها السنوات الأخيرة، في المنطقة، في مقدمتها احتلال العراق وتحوله إلى ساحة للعنف والاقتتال وعمل أجهزة المخابرات العالمية والإقليمية ومكان مناسب للضربات الخلفية وتصفية الحسابات المتبادلة. ترافق ذلك مع تدهور ما يسمى بالعملية السلمية وتبني الوسط السياسي الإسرائيلي لمنطق الحل الأحادي، وعملية اغتيال الحريري وتداعياتها المحلية والإقليمية وصعود غير مسبوق لحركات الإسلام السياسي بشقيها السياسي والمسلح وأخيراً بروز أزمة البرنامج النووي الإيراني التي دفعت بالمنطقة إلى مرحلة الأسئلة الكبرى والاحتمالات الصعبة.

خطورة هذه الحرب أنّها تمثل الإرهاصات الأولى لمقاييس القوى وحساباتها واللعب المحدود بين إيران، التي تسعى إلى تأكيد دورها كقوة إقليمية راعية للإسلام السياسي(حماس، الجهاد، حزب الله والقوى الشيعية العراقية) في المنطقة العربية، وبين أميركا وإسرائيل والنظام العربي من جهة ثانية المعنيين تماماً بهاجس دور إيران الإقليمي.

المعركة أبعد من العمليات العسكرية أو مقياس الخسائر الاقتصادية أو حتى قصة الجنديين اللذين قام حزب الله بأسرهما. فالمواجهة هي استراتيجية ورمزية بامتياز، يسعى كل طرف فيها على تحقيق أهدافه السياسية. بينما ستفرض خسارة أي طرف، نسبياً أو كلياً، نفسها على تعريف ميزان القوى الإقليمي في المرحلة القادمة.

بالتأكيد لا يمكن اختزال حزب الله بوصفه أداة إيرانية، فهو قوة شعبية لبنانية، أثبت درجة من الاحتراف العسكري الكبير في مواجهة إسرائيل، له مطالب عادلة ومحقة، يدافع عن لبنان في وجه الغزو وحقق أهم انتصار عربي في الآونة الأخيرة ضد إسرائيل. لكن، في الوقت نفسه، لا يمكن تجريد الحزب ودوره وقوته، بل وتوقيت العملية الأخيرة، عن الأجندة الإيرانية في المنطقة أو على الأقل عن تحالفه الوثيق مع كل من سورية وإيران، ولو على قاعدة التقاء الأيدولوجيا والمصلحة.

السؤال المفتاح الذي يمثل مدخلاً مناسباً لقراءة النتائج المتوقعة للمواجهة: هل كان حزب الله يتوقع رد الفعل الإسرائيلي؟ أم أنّه أراد فتح جبهة صغيرة لتحقيق أهداف سياسية محدودة؟ وهل يمكن أن نقول إن حسن نصر الله ارتكب خطأ استراتيجياً فادحا بهذه العملية؟..

في الإجابة على هذا السؤال لا بد أن نبتعد عن الخطابات والنداءات السياسية - التي تهدف إلى التعبئة وتدخل في سياق الحرب النفسية- ونلتفت إلى ما يجري على أرض الواقع. أحد الأصدقاء اللبنانيين المقربين من حزب الله، على درجة من الخبرة السياسية والفكر الاستراتيجي، أكّد لي أنّ الحزب لم يكن أبداً قد توقع ردة الفعل هذه، وأنه يمكننا القول إن نصر الله أخطأ في حساباته، لكن كلفة هذا الخطأ كبيرة جداً.

قبل العملية كان حزب الله على مفترق طرق- بعد الانسحاب الإسرائيلي والسوري من لبنان، وقرار 1559 ثم عملية اغتيال الحريري وتداعياتها- بين أن يتحول إلى حزب سياسي ضمن المعادلة اللبنانية، ما يعني إضعاف، وربما انهيار، علاقته بإيران وسورية، والتخلي عن سلاحه العسكري، وهو مطلب القوى اللبنانية الأخرى المعارضة لدمشق، وإمّا الإصرار على مواقفه السياسية وتحالفاته الإقليمية، الأمر الذي لا يتناسب مع صيرورة المعادلة اللبنانية، ما يعني ضرورة القيام بعمل يقلب موازين القوى الداخلية ويقلب مسار التطور الداخلي في لبنان، وهو ما وفرته له، مبدئياً، عملية"الوعد الصادق".

كما أتت عملية حزب الله بعد رد إيران السلبي على عرض الدول الأوروبية حول برنامجها النووي، هذا الرد الذي يسير باتجاه الأزمة والتصعيد وإظهار أن إيران تمتلك من القوة والأدوات الإقليمية في لبنان اليوم، وغداً في العراق، ما يجعل من الضغط عليها ومحاسبتها أقرب إلى الحرب الإقليمية، التي تُعرّض مصالح الدول الغربية في المنطقة إلى الخطر، ولا ننسى هنا أن القوات الأميركية في العراق في وضع أكثر خطورة وحرجاً من الوضع اللبناني. بمعنى أن ما يجري في لبنان رسالة إيرانية في حال اختار الغرب التصعيد معها.

أمّا سورية، فالحرب الحالية تؤجل استحقاق الأزمة الداخلية، وتعمل على تعبئة الشارع ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، كما تعرقل وتؤجل استحقاق ملف اغتيال الحريري، كما تقدم العملية فرصة لإمكانية استعادة زمام المبادرة السورية في لبنان ضد الحكومة الحالية وقوى الرابع عشر من آذار.

على الطرف المقابل، ظهر نوع من الارتباك في الأوساط السياسية والعسكرية الإسرائيلية، في البداية، ما انعكس في وسائل الإعلام، وفي الجدل حول الخيارات العسكرية وإمكانية تحقيق الأهداف السياسية من خلالها. فالعملية جاءت موازية لعملية حماس، وفي ظل انتقادات كبيرة للحكومة الإسرائيلية، كما جرت العمليتان من مناطق انسحبت منها إسرائيل، ما يضع علامات استفهام كبيرة على خطة كاديما في الانسحاب الأحادي ومدى قدرتها على توفير الأمن للإسرائيليين.

المفارقة الملفتة أنّ العمليتين تمّتا بعد احتلال العراق وبروز علامات الوهن في المحيط العربي وضعف المقاومة المسلحة الفلسطينية ما كان يدفع إلى الاعتقاد أنّ الكرة في ملعب إسرائيل، وأنها بصدد جني ثمار ما يحدث. وأخطر ما في الأمر، كما يرى جون الترمان، مدير برنامج الشرق الأوسط في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن، أنّ الحرب الجديدة ليست مع قوى إقليمية عربية، إنما مع حركات شعبية مسلحة، لها ادوات ووسائل عسكرية مختلفة عن الجيوش، ما يجعل المسألة أصعب، بل يذهب الترمان إلى تشبيه حالة إسرائيل اليوم بحالة أميركا عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر.

ما قلب المعادلة، بامتياز، هو الموقف العربي والدولي، وموقف القوى اللبنانية الأخرى، ما نزع الغطاء الاستراتيجي عن حزب الله، بذريعة العامل الإيراني، ومُنحت إسرائيل فرصة ذهبية للانقضاض على الحزب وتصفية الحساب معه، وصولاً إلى تنفيذ أجندة مشتركة تتواطأ عليها مصالح محلية وإقليمية ودولية تتمثّل بتنفيذ القرار 1559 وسحب القوة العسكرية لحزب الله عن الحدود، وصولاً إلى نزع سلاحه وإضعافه في الداخل اللبناني.

التيار العريض من النظام الرسمي العربي يرى أنّ حزب الله أداة إيرانية- سورية. وعلى هذا الأساس يجد من الخطورة الانجرار وراء أجندته المعادية للتسوية، التي تعزز من دور إيران الإقليمي. لكن السؤال: ما البديل؟ في ظل انهيار عملية التسوية التي بنى عليها النظام العربي خياره الاستراتيجي، وفي ظل الانحياز الأميركي السافر لمصلحة إسرائيل. لماذا نلغي تماماً إمكانية عقد صفقة مع إيران تحدد المصالح المشتركة في مقابل الرهان الخاسر دوماً على الولايات المتحدة؟! الجواب بسيط وواضح وهو غياب الإرادة السياسية الرسمية العربية في وضع حد للهيمنة الأميركية والعدوان الإسرائيلي، وتغلّب المصالح القطرية الأنانية على القراءة الاستراتيجية العامة التي تخرج المنطقة العربية من الوهن الحالي. ففي الوقت الذي تسعى فيه مختلف دول العالم إلى التكتل وتوحيد المصالح السياسية والاقتصادية فإن النظام الرسمي العربي يزيد في تهافته وبروز علامات انهياره الواضحة.

في قراءة أبعاد المواجهة العسكرية؛ فإن حزب الله أظهر قدرة واحترافاً عسكرياً واضحاً وتعاملاً جيداً مع تغيير إسرائيل قواعد اللعبة العسكرية، إلاّ أنّ قوة سلاح الجو الإسرائيلي، وحرب التدمير والتجويع التي تشنها على الشعب اللبناني، مع توافر غطاء عربي، ضمني، وحالة الاستقطاب داخل لبنان، وضغوط دولية وإقليمية فإن قاعدة حزب الله ستقوم على المجتمع الشيعي فقط.

في المحصلة؛ انكسار حزب الله في هذه المعركة، بعيداً عن تقاطع أجندته مع إيران، يعني رمزياً واستراتيجياً انهيار الحالة العربية من ناحية، وخسارة إيران وسورية لورقة إقليمية مهمة واختبار جزئي للقوة. في المقابل يبدو السيناريو الأرجح هو توقيع هدنة تؤدي إلى تطبيق القرار 1559 - بصيغة ما- وانسحاب حزب الله بعيداً عن الحدود اللبنانية، وهنالك إمكانية كبيرة لانتشار قوات دولية تؤمّن حدود إسرائيل الشمالية!

m.aburumman@alghad.jo

التعليق