محمد أبو رمان

من يختطف الديمقراطية؟!

تم نشره في الأحد 16 تموز / يوليو 2006. 03:00 صباحاً

في مقاله "الإسلاميون واختطاف الديمقراطية في الشرق الأوسط" يحيل توماس فريدمان مسؤولية تعطل التحول الديمقراطي العربي إلى سيطرة الحركات الإسلامية، المعادية للولايات المتحدة، على الشارع. يقول فريدمان: " بالنظر إلى ضحالة جذور شجرة الديمقراطية في هذه المنطقة، مصحوبة بإضعاف الأكثريات المعتدلة وترهيبها، فقد أفرز لنا العالم العربي الإسلامي أسوأ ما في التجارب الديمقراطية على الإطلاق". ويصل فريدمان، في خاتمة المقال، إلى أنّ الديمقراطية " لا تصلح للتطبيق في كل مكان".

بعيداً عن مساءلة مشروع الإسلام السياسي، في المشرق العربي تحديداً، فإن مقال فريدمان هو تأكيد للاتجاه الغالب في الأوساط السياسية والإعلامية الأميركية التي تدعو إلى وقف الدعوة الأميركية للإصلاح بدعوى أن الشروط الثقافية والاقتصادية- السياسية في المنطقة لم تنضج بعد لتطبيق الديمقراطية، فتقدم تياراً ليبرالياً عقلانياً بديلاً عن الحالة القائمة، بحيث تمثل العقلانية، في هذا السياق، الموالاة المطلقة للسياسة الأميركية والاحتلال الإسرائيلي والتنكر لمختلف مشاريع "المقاومة".

فريدمان لا يكتفي بالاعتراف أنّ نتائج الانتخابات وصناديق الاقتراع تأتي بما لا يتوافق مع مصالح العم سام ومشروعه في الهيمنة على المنطقة، لكنه يريد أن يتذرع بأنّ هذه الأحزاب تتخذ الديمقراطية كحصان للوصول إلى أهدافها المتمثلة بأسلمة المجتمعات العربية، بينما الأكثرية العربية، كما يصورها فريدمان، تخشى مواجهة "الأصوليين"، إذ إنّ من يعارض حزب الله وحماس يجري النظر إليه وكأنّه دمية في يد الأميركيين، أو يجري اغتياله، كما حصل للشهيد رفيق الحريري.

من الواضح أنّ رؤية فريدمان تخلط الحابل بالنابل، لكنها في الوقت نفسه تبين حجم الوهم الذي يقع فيه المنظور الاستشراقي الجديد عند قراءته للواقع العربي، والإصرار على تجاهل دور السياسة الأميركية والاحتلال الصهيوني في منح الإسلام السياسي، الذي يشكو منه فريدمان، الذرائع الفكرية والسياسية والقاعدة الاجتماعية الساخطة على الظلم الذي تراه ليل نهار، بحيث خلقت الولايات المتحدة داخل كل منا إنساناً متطرفاً، بفضل همجية سياساتها والظلم التاريخي الذي تضعه على كاهل المجتمعات والشعوب العربية والمسلمة.

لن أُتعِب فريدمان في استقراء الواقع العربي ليجد أيدي أميركا وإسرائيل مغموسة في كل طامة كبرى تعيشها المنطقة، بما في ذلك صناعة العداء لها، وبما في ذلك أيضا المنظمات "العدمية" التي نبتلى بها نحن قبل أن يبتلوا بها، وإلاّ فما هو سر نفوذ القاعدة وقوة تأييدها في الأوساط الشعبية والشبابية العربية. بالتأكيد ليس فكرها السياسي والديني المتطرف وإنّما لأنها الجماعات الوحيدة التي تقف، عسكرياً، في وجه الجيوش الأميركية، فأصبحت "القاعدة" ماركة مسجلة عالميا بفضل العم سام وسياساته.

كما وعدت فريدمان، لن أجهده في قراءة الواقع العربي، لكنني أود التوقف عند المشهد العراقي؛ فقد بشّرنا فريدمان نفسه قبيل احتلال العراق بأنّ الولايات المتحدة ستحوله إلى نموذج للديمقراطية في المنطقة العربية، فماذا فعلت به السياسة الأميركية؟! أحيل فريدمان هنا إلى كتاب "العراق.. منطق الانسحاب" للكاتب الأميركي "أنتوني أرنوف"، فقط لنقرأ معاً "الوحشية والهمجية" التي مارسها الأميركيون بالعراق، على حد تعبير أرنوف. عن ماذا نتحدث: عن الفساد المالي والشركات الخاصة الأميركية التي نهبت العراق! عن الفوضى والقتل لمجرد الاشتباه! عن اغتصاب الفتيات وتعذيب همجي في السجون بمعرفة وتغطية من بوش ورامسفيلد! عن التعبئة النفسية للجندي الأميركي التي تقدم له العربي كحيوان يمكن تعذيبه بل قتله بدم بارد! عن ذبح وحدة العراق على مسلخ مصالح وأوهام المحافظين الجدد! 

لا ننكر أنّ لدينا أزمة ثقافية في العالم العربي، ولا نوافق حركات الإسلام السياسي على أجندتها السياسية والفكرية كاملةً، ولسنا بحاجة إلى معرفة أثر داء الاستبداد والاستعباد الذي تمارسه علينا حكوماتنا، لكننا نعرف قبل هذا وذاك أنّ السياسة الأميركية والاحتلال الصهيوني مثّلا، ويمثلان، دوما أحد أبرز كوابح الديمقراطية في العالم العربي، فما عليك يا فريدمان إلاّ أن تسأل أي طفل في الشارع العربي عن موقفه من السياسة الأميركية!

m.aburumman@alghad.jo

التعليق