حتى لا تتفاقم الأزمة

تم نشره في الخميس 6 تموز / يوليو 2006. 03:00 صباحاً

في بلاد اعتاد اهلها، خلال العقود السالفة المتتالية، أن لا يخرجوا من ازمة حتى يدخلوا في اخرى، قد لا تعتبر ازمة جديدة حدثا كبيرا، ولكن الازمات التي نتعرض لها خطيرة وكبيرة، وهي وان كانت تنبع من مصدر واحد الا انها متغيرة الطبع بحيث لا يسهل على الناس أن يعتادوا عليها، ولا يسهل عليهم مهمة التوصل لوصفة جاهزة لمواجهة الأزمات المتتالية.

آخر الأزمات هي التي تلقي بظلالها الخطيرة على الساحة الفلسطينية، ولكنها ايضا تنذر بعواقب وخيمة على ساحة المنطقة الاوسع، ازمة الاسير الاسرائيلي، التي لو حصرت في حجمها الحقيقي لما تضخمت بهذه الصورة، ولما تحولت لشرارة صاعقة تهدد بإشعال اخطر حرائق الحرب في المنطقة.

سبب التفاقم هو أنّ الاطراف المختلفة اعتبرت الحادث رسالة ودلالة وتعاملت معه على هذا الاساس، فالتشخيص الاسرائيلي، وكذلك تشخيص الذين يؤيدون الموقف الاسرائيلي، يعتبر الحادث عملا ارهابيا ادى الى خطف مواطن اسرائيلي من ارض اسرائيلية. ولأن الارهاب مرفوض دوليا، ومرفوض في كافة الاحوال، فإنه لا مجال للتفاوض مع الارهابيين ولا مجال لمكافأة عملهم بتقديم تنازلات في اية عملية مقايضة، فمن شأن ذلك ان يشجع المزيد من العمليات الارهابية، كما أنّ من شأنه أن يخلق انطباعا بأنّ اسرائيل لا تفهم الا لغة القوة، وأنّ المقاومة التي"زعم" انها كانت صاحبة الفضل في اخراج المستوطنين وقوات حمايتهم من غزة, تحقق المزيد من الانتصارات باللجوء لاستخدام القوة.

المعضلة امام اسرائيل هي انها تريد استخدام القوة المفرطة لتأديب الفلسطينيين بالجملة لتطاولهم على هدف اسرائيلي ولأسرهم لجندي اسرائيلي، كما انها، في الوقت نفسه، تريد تحرير الجندي الاسير دون اي ثمن لترد الاعتبار لهيبتها العسكرية والسياسية ولتقول "للخاطفين" ان لا ثمن "لجريمتهم" وفي هذا تناقض واضح. فإذا كان تأديب الفلسطينيين لا يتحقق الا باستخدام القوة فإن تحرير الأسير حيا لا يتحقق الا بالدبلوماسية التفاوضية التي تستوجب قطعا استبعاد القوة.

حتى الآن لا يمكن تقييم مدى الخطر الذي يهدد حياة الأسير الاسرائيلي نتيجة الحشد العسكري الاسرائيلي ونتيجة عمليات الاعتقال والتوغل والحصار والدمار التي لحقت بالفلسطينيين حتى الان. بالمقابل هناك التشخيص الفلسطيني، وتشخيص الذين يؤيدون او يتعاطفون مع الموقف الفلسطيني، ولا بد قبل الاستطراد من الاشارة للتباين القائم بين موقف الحكومة الفلسطينية المؤيد لعملية الاسر، وموقف الرئاسة الفلسطينية الذي يعارض ذلك ويدعو لإنهاء الأزمة بإعادة الأسير.

الموقف الفلسطيني يشخص الأزمة على أنها عملية مقاومة مشروعة بموجب القانون الدولي على اعتبار ان الاحتلال القائم منذ اربعة عقود يبرر حق مقاومته وحق الناس الذين ينشدون تحرير ارضهم وتحررهم من ذلك الاحتلال. وهؤلاء يبررون موقفهم بالقول انهم هاجموا قاعدة عسكرية، وليس هدفا مدنيا، وانهم وبعد معركة، سقط فيها قتلى من الجانبين، اسروا جنديا بزيه العسكري وبسلاحه ومن على ظهر دبابته ولم يخطفوا طفلا من مدرسة، ولا من حديقة عامة، ولا خطفوا مواطنا اسرائيليا من مقهى او من مكان عام، لذلك فهو بحكم اي تعريف قانوني"اسير حرب" وليس"رهينة" ولا "مخطوف"، وان العملية هي عملية اسر وليست عملية خطف.

وهؤلاء يعتقدون أن مطالبتهم بمقايضة الاسير الاسرائيلي العسكري بأسرى فلسطينيين من النساء والاطفال، الذين تحظر القوانين الدولية احتجازهم في كل الظروف، هي مطالبة مشروعة. ويتساءل الجميع: اذا كان اسير اسرائيلي واحد يستحق كل هذا الاهتمام الدولي، ويستحق شن حرب، ويستحق تدمير الكهرباء والماء ومعاقبة مليون ونصف مليون فلسطيني في غزة لا علاقة لهم بالحادث اصلا، ويستحق تدمير الدوائر الرسمية الفلسطينية والمدارس وسكن الجامعات والجسور والطرق وفرض الحصار واغلاق الحدود، ويستحق مطالبة دولية عارمة بإطلاق سراحه سالما بدون مقايضة وبدون ثمن، اذا كان اسير اسرائيلي واحد يستحق كل هذا فما هو استحقاق اكثر من عشرة آلاف فلسطيني يقبعون منذ عشرات السنين في سجون اسرائيل؟! لا توجد مفارقة في التاريخ اضخم من هذه المفارقة، ولا يوجد مثال على تطبيق المعايير المزدوجة اكثر فظاعة من هذا المثال.

فإما ان لاسرائيلي واحد من القيمة والحق اكثر من عشرة آلاف من الفلسطينيين، وإما ان تكون العدالة قد اسقطت نهائيا من معادلة التعامل الدولي والقانون. والسؤال ايضا: لماذا كل هذا الحشد لاطلاق سراح الاسير الاسرائيلي ولماذا لم نسمع كلمة واحدة عن عمليات خطف حقيقية بحق المدنيين الفلسطينيين (دع عنك القتل والاغتيال) على مدى السنين من المخيمات الفلسطينية والقرى والمدن سواء من كان منها تحت سيطرة السلطة الفلسطينية او تحت السيطرة المباشرة للاحتلال؟

بقي موضوع التصعيد، فهنالك من يتهم الفلسطينيين بالتصعيد وبخلق ازمة لا داعي لها في ظروف متأزمة اصلاً. العديد من وسائل الاعلام الغربية والعربية اتهمت مدبري الهجوم والاسر بخلق أزمة وتصعيد ونشر نذر مواجهة لم تكن المنطقة بحاجة لها. وهنا يبرز سؤال آخر: هل كانت العلاقات الاسرائيلية الفلسطينية تنعم بالهدوء والسلام والحياة الطبيعية المعتادة الرتيبة حتى دمر كل ذلك الهجوم الفلسطيني على كرم السلام؟ ألم تكن غزة محاصرة ومعرضة للهجمات اليومية؟ ألم تقتل عائلة بأكملها على الشاطئ ويقتل جمال ابو سمهدانه ويقتل اكثر من 40 فلسطينيا في مدى الاسابيع القليلة التي سبقت حادث الاسر؟

لماذا لم نسمع كلمة واحدة على التصعيد عندما كانت غزة والضفة الغربية تقدم الشهيد تلو الشهيد كل يوم؟! ولم يحدث التصعيد ولم ينتهك السلام الا بالهجوم الفلسطيني وبأسر الجندي الاسرائيلي!

اخطر تداعيات اسر الجندي الاسرائيلي هي عوامل الاحباط هذه، التي تصيب الناس بقوة، وتفقدهم اي امل في عدالة القانون الدولي او حتى وجوده. واخطر واهم الدروس التي يجدر بكل معني بهذا الصراع الدائر ان يتعلمها هي ان المسألة اكبر من قضية اسير او قضية هجوم او مسألة تصعيد.

تقتضي الحكمة أن توضع نهاية لهذه الأزمة أولاً، بالطرق الدبلوماسية وليس بالمعاقبة والتدمير والانتقام والتعنت الاعمى، لكن نهاية الأمة ليست نهاية المطاف. فالمطلوب، بعد ذلك، نظرة جديدة وشاملة للصراع برمته واستراتيجية موضوعية لمعالجته حتى لا نخرج من أزمة اسير لأزمة اسير آخر، وحتى لا يؤدي التصعيد الى انفجار مدمر محتمل.

سفير الاردن سابقاً في الأمم المتحدة

التعليق