لا يمكن لهذا الوضع أن يستمر

تم نشره في الأربعاء 28 حزيران / يونيو 2006. 03:00 صباحاً

ما بزغ فجر اي يوم خلال الايام، بل الاسابيع، بل الاشهر، بل السنوات المتتالية الماضية دون ان نفيق على اخبار هجوم اسرائيلي بالدبابات في الضفة الغربية او بالطائرات في غزة.

في الضفة الغربية تقوم قوة اسرائيلية بمداهمة جنين او مخيمها، او بمداهمة نابلس، او مخيم بلاطة، او مخيم الامعري قرب رام الله، وفي كل مرة في هذه المواقع ومواقع كثيرة غيرها، يقتل فلسطينيون، ويعتقل آخرون، وتدمر بيوت، ويروع الناس، ويحاصرون، ويرهبون، وعندما يستكمل الغزو اغراضه لتلك المرة تعود القوات المهاجمة الى حيث أتت، لتستأنف عدوانها في اليوم التالي.

نسمع هذه الاخبار ولا نلاحظ أية ردود فعل عليها لا من جهة فلسطينية ولا عربية ولا اوروبية ولا دولية، اولا لأنها روتين عودت اسرائيل العالم عليه، وثانيا لان اسرائيل لا تأبه بأي رد فعل، وثالثا لان الذي يحكم العلاقات الدولية هذا الزمن هو ليس القانون الدولي ومبادئ التعامل الصحيح، بل المعايير المزدوجة والجبن والنفاق.

تستمر الاعتداءات اليومية على الفلسطينيين ويستمر الاحتلال، والحصار، والاذلال، وتمارس بحقهم ابشع انواع العنف ويستمر معه صمت المجتمع الدولي، بصورة مذهلة. ويظل الامر كذلك الى ان يحدث رد فعل فلسطيني، يعرض هدفا اسرائيليا للهجوم، عندئذ تقوم الدنيا ولا تقعد، تنهال الادانات من السلطة الفلسطينية وكثير من الدول العربية، ومن سولانا وكوفي عنان ومن العواصم العظمى وقيادات العالم، ينطلق مسلسل التنديد بالارهاب الفلسطيني وبهمجية المسلمين والعرب عامة، وتتلقى اسرائيل رسائل المواساة وعبارات الترضية، فهي الضحية وضحاياها هم الجلادون، وهي مطلقة اليد بقوتها العسكرية الجبارة لتأديب الفلسطينيين بلا استثناء فكلهم مجرمون، وحين تفعل ذلك فهي تمارس حقها المشروع عن النفس! وعندما يتعرض الفلسطينيون للانتقام فما عليهم ان يلوموا احدا سوى انفسهم فهم لم يلتزموا بآداب الأسر وتمردوا على الجوع والحصار والاحتلال فاستحقوا ما جلبوه على انفسهم من تنكيل واذى.

امام هذه المفارقات المذهلة كنت دائما ابحث عن تفسير، واقول انه لا يمكن للظلم ان يصل الى هذا المدى، وكنت اظن انها الطريقة وليس استخدام حق الرد، كنت اظن ان الهجمات الانتحارية والاعتداء على المواقع المدنية هي التي تفقد الجانب الفلسطيني عطف العالم، وتفهمه، وهي التي تكسب اسرائيل المعركة الاعلامية، كنت اظن ولا زلت اعتقد انه لا يمكن للعالم الرسمي او المدني ان يسمح بأساليب كالهجمات الانتحارية مهما كان السبب والمبرر ومهما بلغ الاستقرار.

يعزز ذلك ما كنا نسمع من تصريحات تأتي من الخارج ومن الجهات ذاتها التي تبرر لاسرائيل عدوانها واحتلالها، لكنها في الوقت نفسه تحرم على الفلسطينيين الرد على ذلك، او السعي للتحرر من الاحتلال.

كنا نسمع من يقول ان مقاومة الاحتلال حق مشروع شرط ان تتم بالوسائل المشروعة، وشرط ان لا تستهدف المدنيين او المواقع المدنية، وهذا حق لا يمكن المجادلة فيه، وقد سمعنا هذا الكلام بالتحديد من مسؤولين اوروبيين منهم ممثل العلاقات الخارجية ونحترمه لما قال.

لكن هذه القاعدة تهمشت هي الاخرى في الايام القليلة السالفة، اي عندما هاجمت مجموعة فلسطينية مسلمة موقعا عسكريا اسرائيليا واشتبكت مع القوات الموجودة في الموقع في مواجهة سقط فيها قتلى من الجانبين وتمكن الجانب الفلسطيني من اسر جندي اسرائيلي.

لم تكن هذه العملية هجوما انتحاريا، ولم تستهدف موقعا مدنيا ولم ينجم عنها ضحايا مدنيون، ولو طبقت عليها المواصفات الدولية، والاوروبية والعربية، لوجدنا انها اقرب الى المقاومة منها للارهاب، مع ذلك فإنها ادينت من قبل القيادة الفلسطينية ومن كافة الجهات المعتادة الاخرى بذات الصرامة كعمل ارهابي تصعيدي خطير، وجميع القوى العالمية الان مجندة لتحرير الجندي الاسرائيلي"المختطف" وليس الاسير.

فهناك لغة خاصة بالفلسطينيين لا تستخدم الا عندما يتعلق الامر بهم، فإسرائيل"تعتقل" الفلسطينيين ولكن الفلسطينيين"يخطفون" الاسرائيليين.

لم يتغير المشهد، القوات الاسرائيلية تعتقل كل يوم وفي السجون والمعتقلات الاسرائيلية ما يربو على ثلاثة عشر ألف فلسطيني، ولكنهم لا يساوون اسرائيلي واحد، والقوات الاسرائيلية تقصف الشواطئ والمواقع المدنية وتقتل وتغتال بالطائرات بصورة روتينية ودورية ولا احد يأبه بذلك، لكن اعتداء واحدا على موقع اسرائيلي يغير الصورة، ويقلب العالم بأسره رأسا على عقب.

لست ممن يفرحون للتصعيد ولا ممن يروجون للعنف حتى بمواصفاته الاوروبية المشروعة، وادرك تماما حجم الاذى الذي ينتظره الفلسطينيون الابرياء بعد كل حادث يتعرض له هدف اسرائيلي، وادرك ان الذي يتعرض لضربات العصى ليس كالذي يعدها.

ولكن استمرار هذا الوضع من شأنه ان يدمر كل شيء, ولن تقتصر اضراره على الجانب الفلسطيني المهان والمحاصر والضعيف، بل ستجد اسرائيل نفسها في النتيجة في وسط مستنقع العنف والدمار الذي خلقته.

فطالما بقي الاحتلال، وطالما بقي"المجتمع الدولي" عاجزا عن مواجهته وادانته طالما استمر العنف، هنالك حالة حرب بصيغة او بأخرى بين اسرائيل والفلسطينيين وعلى هذه الحرب ان تنتهي بإنهاء مسبباتها ان كانت اسرائيل تعتقد ان قوتها العسكرية هي التي تحقق لها الامن فما عليها الا ان تنظر الى ما تتعرض له قوة اكبر واعظم دولة في العالم في العراق، او ان تنظر الى ما جرى في جنوب افريقيا في الماضي القريب.

لا تستطيع اسرائيل ان تطبق قواعد الحرب والسلم في آن واحد، فالاحتلال يجر المقاومة، وتسمية المقاومة ارهابا لا ينهيها، كما ان اي قناع لستر الاحتلال لا يلغيه.

سفير الأردن السابق في الأمم المتحدة

التعليق