منار الرشواني

استفتاء على ماذا؟

تم نشره في الاثنين 12 حزيران / يونيو 2006. 02:00 صباحاً

من السهل على إسرائيل تبرير اغتيال جمال أبو سمهدانة، قائد لجان المقاومة الشعبية، باعتباره إرهابيا تتوجب تصفيته وفق معايير الشرعية الدولية الأميركية بهذا الخصوص؛ لكن كيف يمكن تبرير مجزرة غزة يوم الجمعة الماضي التي طالت مدنيين، لا يحتمل وجودهم في العراء أي شبهة بشأن هويتهم أو ما يخفون؟

بالتأكيد لم يفكر الإسرائيليون بهكذا سؤال، ولم يفكروا بالتالي باختلاق إجابة عنه كونها غير مطلوبة منهم في عالم تحكمه أميركا. لكن تفسير دوافع المجزرة، على صعيد التوقيت كما على صعيد الضحايا، يبدو حاسما على الجانب الفلسطيني.

المذبحة الإسرائيلية في غزة جاءت مباشرة بعد حزم الرئيس الفلسطيني محمود عباس أمره باتجاه طرح وثيقة الأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية للاستفتاء الشعبي، رغم معارضة حركة حماس "الحاكمة" له، سيما وأن كل الدلائل واستطلاعات الرأي تشير إلى أن الوثيقة ستحظى بتأييد أكثرية الشعب الفلسطيني في الضفة والقطاع، ما يعني بالنتيجة خلق أزمة شرعية لحكومة حماس التي ترفض الاعتراف بإسرائيل واستئناف المفاوضات معها، فيما تكاد وثيقة الأسرى تصرح بنقيض ذلك؛ بالحديث عن دولة فلسطينية مستقلة "عاصمتها مدينة القدس الشريف على جميع الأراضي المحتلة عام 1967"، و"تركيز المقاومة في الأراضي المحتلة عام 67 إلى جانب العمل السياسي والتفاوضي والدبلوماسي".

ومن ثم، فإن استهداف المدنيين، بعد اغتيال جمال أبوسمهدانة الذي كان قد عين في عهد حكومة حماس مراقبا لوزارة الداخلية الفلسطينية، كفيل بتعزيز موقف حماس الرافض للاستفتاء وتاليا الاعتراف بإسرائيل، الأمر الذي يستتبع توسيع شقة الخلاف بينها وبين الرئيس محمود عباس، ومن ورائه حركة فتح، في حال تأكد التأييد لوثيقة الأسرى، وصولا إلى صراع، لربما يغدو اقتتالا معلنا، بين الفصائل الفلسطينية، ودائما لمصلحة إسرائيل وحلولها المنفردة.

وإذا أضيف إلى ذلك مسارعة رئيس الوزراء الإسرائيلي، إيهود أولمرت، إلى وصف الاستفتاء الفلسطيني، مباشرة عقب تحديد الرئيس عباس موعده في 26 تموز القادم، بأنه أمر "بلا معنى"، فقد بات جليا أن هذا الاستفتاء يمثل إشكالية وطنية فلسطينية خطيرة، دون أن يكون في المقابل، وكتعويض يستحق المجازفة، بداية حل للصراع الفلسطيني-الإسرائيلي.

بالنتيجة، وبعد ما يناهز خمسة أعوام على شلل المفاوضات الفلسطينية-الإسرائيلية في ظل حكومة من حركة فتح تعترف بإسرائيل، لم يعد منطقيا القول إن عدم تحقق مثل هذا الاعتراف من حكومة حماس هو المشكلة، والعكس صحيح؛ إنما المشكلة الحقيقية التي تمنح إسرائيل كل الذرائع للمضي قدما في ممارسة إرهاب الدولة، وتنفيذ المشاريع أحادية الجانب، تتجسد في جانبين متكاملين تستخدمهما إسرائيل بإتقان تام: الأول، وجود حماس (المتهمة دوليا بممارسة الإرهاب) في السلطة، فيما الثاني الإيحاء للعالم بوجود بديل فلسطيني يمكن التفاوض معه هو حركة فتح. وبانتظار رحيل حماس ومجيء من يفترض أنه شريك السلام، رغم الماضي الطويل الذي يفند هذا الإدعاء الإسرائيلي، فإن على العالم تقبل وتفهم كل السياسيات الإسرائيلية التي تنهي في الواقع أي أمل بسلام قادم.

الخروج من هذه الحلقة المفرغة إلا من الدم الفلسطيني موجود أيضا -وهنا المفارقة- في ذات وثيقة الأسرى مثار الجدل والنزاع. فخلافا للمبرز إعلاميا باختزال مضمون الوثيقة والاستفتاء عليها إلى مجرد الدعوة إلى الاعتراف بإسرائيل والتفاوض معها، يتلخص المضمون الحقيقي والأوسع لوثيقة الاسرى في مسماها الرسمي: "وثيقة الوفاق الوطني"؛ أما الحل الملحّ الذي تقدمه لتحقيق هذا الهدف الآن فهو "تشكيل حكومة وحدة وطنية على أساس يضمن مشاركة الكتل البرلمانية كافة، وبخاصة حركتا فتح وحماس والقوى السياسية الراغبة"، ليتجلى هنا فعلا المحور الحقيقي للاستفتاء.

بالتأكيد، يقتضي تشكيل حكومة وحدة وطنية فلسطينية تقديم تنازلات من حركتي حماس وفتح، لكن هذه التنازلات لن تكون في هذه الحالة لإسرائيل، بل للشعب الفلسطيني بأطيافه السياسية كافة، بدءا من كسر الحصار الغربي المفروض عليه، ولا سيما على الجانب الأوروبي، وصولا إلى تحقيق المصالح الفلسطينية العليا، وضمنها دولة فلسطينية مستقلة.

manar.rashwani@alghad.jo

التعليق