ياسر أبو هلالة

في الطريق إلى واشنطن

تم نشره في السبت 10 حزيران / يونيو 2006. 03:00 صباحاً

زرت واشنطن أول مرة عام ثمانية وتسعين. كنا وفدا من الصحافيين العرب، وعلى أهمية زلزال 11 أيلول (سبتمبر) إلا أن أجواء الزيارة لم تكن مختلفة عما بعد الزلزال. كنا مزيجا غريبا مختلفا جغرافيا وفكريا وسياسيا لكنا كنا جميعا مختلفين مع أميركا في قضايا العالم العربي وتحديدا العراق وفلسطين.

وبعد الزلزال أزورها مرة أخرى ولا تزال الملفات العالقة ذاتها، وربما غدت أكثر تعقيدا. في العقد الماضي كانت المنطقة تعيش في هدنة على رغم نوايا الحرب المضمرة. صدام حسين يراوغ هروبا من الحصار، وأبو عمار يراوغ أيضا هروبا من حصار آخر. اليوم انفجر الوضع في العراق وفلسطين، بشكل صدع المنطقة كلها التي تترقب انفجارات أخرى في إيران وربما سورية ولبنان.

اللافت في العقد الماضي أنه وعلم الرغم من تفجيرات مركز التجارة العالمي الأولى وتفجيرات السفارات في إفريقيا إلا أن تحدي القاعدة لم يكن واضحا في الأدبيات الأميركية. ولم تكن لازمة الإرهاب تتردد كما هي اليوم. في تلك الزيارة وقعت مذبحة الأقصر. صحافي مصري إذاك اتهم الأميركيين بتأمين ملاذ للإرهابيين. مستشهدا بمنح تأشيرة للشيخ عمر عبدالرحمن منظر الجماعات الجهادية في مصر والمتهم في قضية اغتيال السادات.

طبعا في حينها كان الأميركيون يدافعون عن نظام مفتوح أفاد منه أعداء أميركا، ولم يكن قد استوعبه حلفاؤها من الأنظمة. اليوم لا يستطيع الصحافي المصري اتهام الأميركيين بتأمين الملاذ الآمن. سيتحدث عن ضعف الأدلة في اتهام الشيخ عمر عبدالرحمن، ومدى التوريط في قضيته. سيتحدث عن غوانتنامو وعن السجون السرية.

ربما تكون مذبحة حديثة قد أصبحت قديمة وطفت إلى السطح أخبار مذبحة أخرى. يتلوها إنكار أميركي، ثم اعتراف خجول مع وعد بالتحقيق، ثم محاكمات فأحكام لا تشفي صدور الغاضبين. في الأثناء يجهد العاملون في الدبلوماسية العامة لتحسين صورة أميركا. في العالم الماضي كان ينفق زهاء مليون يوميا لتحسين الصورة ضمن برامج التبادل وغيرها.

المشكلة في الأصل لا في الصورة. ماذا تحسن في سياسة أميركا في المنطقة؟ ماذا توضح؟ الاستطلاعات التي أجرتها مراكز الدراسات في غضون السنوات الأربعة الماضية أظهرت أن المشكلة معكوسة. فالأميركيون خصوصا والغرب عموما لا يفهمون المنطقة والمنطقة تفهمهم. في آخر استطلاع شمل الأردن وفلسطين وسورية ولبنان ومصر كانت النتائج مذهلة لدى المواطن العادي. فهو يدرك أين تقع المشكلة مع أميركا، ويحددها في سياستها الخارجية تجاه المنطقة. ولا يعادي أميركا بسبب دينها. في المقابل يجهل الغرب ما له علاقة بالإسلام ثقافة وسياسة دولا وشعوبا، وإن عرف فمعرفته نمطية معادية لا ترى في الإسلام إلا شرا مستطيرا.

ما الحل؟ الحل بتغيير الأصل لا الصورة. المهم ما يفعله السلاح الأميركي في إسرائيل وما تفعله الجيوش الأميركية في العراق وأفغانستان. لكن الصورة تظل مهمة صورتنا وصورتهم. وهنا دور جيوش المعنيين بالإعلام والصورة على الجانبين. بإمكان الصورة أن توضح أن قضايانا عادلة، وأننا شعوب مظلومة، وبإمكان الصورة ان توضح أن أميركا ليست جيوشا فقط. فهي بلد يجسد ذروة التقدم المادي للحضارة. له فضل على البشرية فمن منا يستغنى عن حواسيب أميركا وما ارتبط بها من أنظمة وشبكات؟

سيد قطب المرجع الفكري للتيارات الجهادية وصف أميركا عندما زارها (ضمن برامج التبادل) بأنها ورشة العالم. لكنه سجل مآخذه الكثيرة عليها معتبرا أنها مفلسة في عالم القيم.

أزور أميركا وأكثر ما أخشاه قوانين الرعب بعد الحادي عشر من سبتمبر، معطوفا عليها جو عام يشتبه بـ" الملامح الشرق أوسطية" هذا الجو أنزل من الطائرة رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق إيهود باراك. وضابطا من حرس بوش تحسبا لملامحهما. آمل أن لا تستفز ملامحي أحدا.

 yaser.hilala@laghad.jo 

التعليق