د.باسم الطويسي

محاور استراتيجية إقليمية

تم نشره في الجمعة 9 حزيران / يونيو 2006. 03:00 صباحاً

بصرف النظر عن مضمون تقرير وكالة الطاقة الذرية الجديد وقرارات مجلس الأمن القادمة حول الملف النووي الإيراني والصفقة المصيرية لحسم الصراع، فإن الاتفاق الأميركي الإيراني الوحيد الواضح في هذه المرحلة يدور حول تقاسم المصالح فوق الساحة العربية؛ مرة بالتوافق حول توازن المصالح والنفوذ كما يحدث في الحوار الأميركي–الإيراني حول العراق، ومرة بصيغة التهديد والابتزاز على طريقة مرشد الثورة الذي لم يجد ما يهدد به الولايات المتحدة إلا أمن الخليج العربي واستقراره .

على طبول حرب الخليج الثانية تلقت نظرية الأمن القومي العربي طلقة الرحمة، وعلى الرغم من كون مفهوم الأمن القومي العربي بقي نظرياً ولم يتحقق في يوم ما، إلا ان سياسات المحاور قد حافظت على المجال الحيوي العربي ضمن حالة من التماسك الهش والاستقطاب المتبادل بينما كانت العواصم العربية الكبرى تتبادل ادوار القيادة وتوزيع عناصر القوة حولها. وبعد أكثر من عقد ونصف من موت هذه الظاهرة العربية، نلاحظ اليوم بأنها تعود مجدداً، ولكنها هذه المرة مفرغة من الهوية حيث تدشن عاصمة غير عربية اكبر محور إقليمي يزداد نفوذه وقوته يوماً بعد يوم يمتد من طهران إلى دمشق وبغداد مروراً ببيروت وغزة ويتطلع إلى عواصم أخرى وصولاً إلى الخرطوم.

ما لا شك فيه ان مصالح إيران والولايات المتحدة قد التقت على تفكيك العالم العربي التقليدي من النواحي الجيواستراتيجية كما صاغه عبد الناصر في النصف الثاني من القرن العشرين وكل منهما له مدخله المختلف؛ وبينما رضي معظم العرب المدخل الأميركي لهذا التغيير أو تكيفوا معه، على الأقل والذي بدأ بمسار تسوية الصراع مع إسرائيل وما حمله من تداعيات تاريخية على مدى أكثر من عقدين ونصف، فقد كان المدخل الإيراني أكثر غموضا وحساسية، ويجب أن تتذكر أن المدخلين الأميركي والإيراني قد بدأت مشاريعهما لتغيير المنطقة معا في نهاية السبعينيات، ووصل المدخلان إلى ذروة انجازهما في هذه المرحلة، ويسعى المدخل الإيراني في هذه اللحظة إلى استكمال تجميع القوى الشيعية في العالم العربي وتجريدها من كينونتها السياسية التاريخية لمصلحة تجمع إقليمي جديد، وعلى الرغم من أن خط دمشق-طهران بقي سالكاً طوال العقود الماضية، إلا ان المسعى الإيراني التاريخي لم يتوفر له زخم الحركة الاستراتيجية الراهنة المرتبطة بالسلاح النووي أو من دونه والتي تسعى إلى القفز الحر على الضواحي البعيدة في الإقليم، وهذا يعني تحجيم الدور المصري ومحاصرة السعودية والهيمنة على الخليج العربي ومقدراته، وذلك من خلال تثبيت فكرة أن الدور الإقليمي الذي تطالب به إيران ويكاد يعترف به المجتمع الدولي يعني الاعتراف بان لا حدود جيواستراتيجية لإيران من ناحية العرب؛ انطلاقاً من فرض هيمنة من نوع جديد على الخليج العربي واستمرار الارتهان السياسي السوري واللبناني لطهران، وتحويل القضية الفلسطينية إلى ورقة طائرة في لعبة المصالح الدولية تنتقل عبر خطوط التماس والمصالح من أفغانستان وأذربيجان إلى جزر القمر.

من الواضح أن صانعي القرار السياسي والاستراتيجي في الرياض والقاهرة يدركون اليوم أكثر من أي وقت سبق بان قواعد اللعبة قد بدأت تتغير بالفعل وبشكل جذري؛ ففي الوقت الذي أصبحت فيه إيران تسيطر على جنوب العراق وتقف على الحدود السعودية وتسعى نحو طموحات طائفية في الجزيرة العربية، يزداد الحضور الإيراني في غزة على الحدود المصرية الشمالية الشرقية ويزداد ذات النفوذ بشكل آخر على الحدود الجنوبية مع النمو المضطرد للعلاقات الإيرانية- السودانية، في المقابل يكشف هذا المأزق الاستراتيجي فجوة المصداقية الأميركية التي ما تزال تراوح مكانها وتشتري مصالحها الإقليمية بالوصفة الإسرائيلي، ولا تقدم أي إنجازات تذكر على صعيد التسوية السياسية.

من الواضح أن الشهور القادمة ستشهد ترسيماً واضحاً لخطوط التماس الاستراتيجي في المنطقة، وسيكتشف العرب أن فرضيات التوازن التي سادت خلال العقود الماضية قد انتهت من دون رجعة. وفي هذا الوقت يقدم كل طرف أوراقه كجزء من قواعد جديدة ستحكم تفاعلات الإقليم السياسية والاستراتيجية لأعوام وربما لعقود قادمة.

basimtwissi@hotmail.com

التعليق