ياسر أبو هلالة

من صور المثقفين والكتّاب

تم نشره في الأحد 4 حزيران / يونيو 2006. 02:00 صباحاً

صحيح أن الصحافة العربية تعاني من انخفاض سقف التعبير، وصحيح أن الكتاب يعانون من اضطهاد قد يصل إلى درجة السجن والتصفية، كل ذلك وغيره صحيح. وما لا يقل صحة أن ثمة مشكلة أخلاقية في الكتاب. عندما يتطوع كاتب أن يكون مجرد مندوب مبيعات يسوق بضاعة ليست له مقابل نسبة لا غير.

مندوبو المبيعات هؤلاء يحتاجون إلى حفاوة من نوع خاص. تماما كالجائزة التي تصدرها منظمة حماية الصحافيين بعنوان أعداء الصحافة العشرة. حري بمنظمات حقوق الإنسان في العالم العربي أن تتصدر قائمة أسوأ عشرة كتاب (طبعا العدد أكثر بكثير من ذلك). وليست المسألة من قبيل الشتم والقذف بالباطل. بل تبنى على معايير نزيهة وصارمة.

فعندما يقف كاتب مع قانون مطبوعات يجيز حبس الصحافيين، أو يقف مع اعتقال سجين رأي، هذا لا يعبر عن رأي حر. هذا يعبر عن مصلحة ضيقة ومن الواجب فضحه أمام الجمهور. هو مندوب مبيعات لبضاعة فاسدة. وفي أحسن الأحوال هو شركة دعاية، تروج للسجائر ولمعجون الأسنان في الوقت ذاته.

أكثر من ذلك بعض الكتاب يرتشون. ولا يكتفون برواتبهم ومكافآتهم المشروعة. إدوارد سعيد كان من أثمن الكتاب في العالم، هذه ميزة تحسب له لا عليه. في المقابل ثمة من يرتشي، أي يقبض سرا من جهات لا يعمل معها علانية. شخصيا أعتقد أن الكاتب في العالم العربي يحتاج إلى أضعاف ما يأخذه حاليا من الصحف ودور النشر حتى يعيش حياة كريمة. لكن هذا لا يشرع الرشوة.

إدوارد سعيد تحدث في كتابه "صور المثقف" عن دور المثقف النقدي. فالكاتب ليس تابعا لسلطان السلطة ولا لسلطان الجماهير. لا يتلقى أوامر ولا يخضع لرأي عام. يكتب خاضعا لسلطان ضميره. هذه المعادلة ليست طلسما. معادلة يعرفها القارئ جيدا. يعرف الفرق تماما بين المستكتب (بفتح التاء) والكاتب.

هناك المثقف العضوي الذي تحدث عنه الفيلسوف الإيطالي غرامشي، المثقف المنغمس في قضايا الجماهير الوفي لها. وهذا ندرته بندرة المثقف المستقل. الأكثرية في العالم الثالث هي التصنيف الذي استحدثه يوما الكاتب حازم صاغية "المثقف الواشي" أي بالتعبير الدارج المخبر عند السلطة.

الوشاة أولئك قد يحملون أرفع الدرجات العلمية ولهم في السوق كتب ومصنفات، وإن يقولوا يسمع لقولهم. لكنهم في النهاية وشاة يقومون بدور سخيف يضر ولا ينفع. فالسلطان في العالم الثالث قوته لا تقوم على أولئك الوشاة، هم لا يثبتون أركانه. هو يستأجرهم مثل شركات الدعاية. ينتهي دورهم بانتهاء الحملة الإعلانية.

شاهدت بعد الانتخابات المصرية الأخيرة، التي كانت فضيحة بمعايير منظمات حقوق الإنسان المستقلة، مثقفا كنت أحترمه، يدافع عن الفضيحة. ويجد المسوغات لها. شتان بين هذا الذي يحمل أرفع الدرجات العلمية ويكتب في أشهر الصحف وبين المصور الصحافي الذي نجهل اسمه وأشيع أنه فقئت عينه عندما صور النسوة وهن يتسلقن الأسوار ويصررن على ممارسة حقهن الانتخابي ويحاولن تجاوز حواجز منع التصويت التي أقامتها الشرطة والبلطجية. شتان بين الدكتور وبين القضاة الذين انتفضوا في انتفاضة لم تخمد جذوتها إلى اليوم.

كلهم مثقفون، لكن الفرق كبير في الأدوار!

yaser.hilala@alghad.jo

التعليق