تسهيل مهمة أولمرت!

تم نشره في الأحد 28 أيار / مايو 2006. 02:00 صباحاً

من حسن الحظ، أن هناك في فلسطين من يعي خطورة المرحلة التي تمرّ فيها القضية التي هي قضيّة شعب أولاً حرم من أدنى حقوقه في العيش بكرامة تليق بأبناء البشر. ومن يعي خطورة المرحلة، يعي تماما أن اعلان السلطات المصرية عن أن المتورطين في العمل الارهابي الذي استهدف منتجع دهب في سيناء أخيراً تدرّبوا في غزة تطوّرا في غاية الأهمية على الصعيد الاقليمي. انه تطوّر يطرح بكل صراحة مشكلة اسمها قطاع غزة الذي انسحبت منه اسرائيل في الصيف الماضي وتركته في عهدة السلطة الوطنية الفلسطينية، أقلّه من الناحية النظرية.

لا وجود لأي مبرر لأن يكون هناك مكان في غزة يتدرّب فيه ارهابيون لا همّ لهم لهم سوى الاساءة الى السياحة المصرية وقتل عرب وأجانب في منتجعات سياحية أكان ذلك في طابا أو في شرم الشيخ. ومن هذا المنطلق، يفترض في الجانب الفلسطيني الذي يبحث حالياً عن قواسم مشتركة بين الرئاسة الفلسطينية و"فتح" من جهة والحكومة الفلسطينية و"حماس" من جهة أخرى تفادياً لحرب أهلية تنطلق من غزة البحث جدّياً في الوضع السائد في القطاع. من دون هذا البحث لا فائدة من القواسم المشتركة التي يمكن التوصل اليها عبر مؤتمر الحوار الوطني الفلسطيني.

من واجب الفلسطينيين جميعاً، أيّا يكن الفصيل الذي ينتمون اليه، الحؤول دون تحوّل قطاع غزّة الى بؤرة يسرح فيها الارهابيون من "القاعدة" وغير "القاعدة" ويمرحون من دون حسيب أو رقيب. من يتحمّل مسؤولية ذلك؟ لا بدّ من الاعتراف بأن المسؤولية الأولى تقع على فوضى السلاح في غزّة. ان فوضى السلاح في أساس التصرفات المسيئة الى الشعب الفلسطيني الصامد وقضيته. يكفي أن يظهر فلسطينيون ملثّمون يطلقون النار في الهواء في غزّة أو في أحدى مدن الضفة الغربية على الفضائيّات العالمية لتلحق خسائر ضخمة بالقضية الفلسطينية في مختلف أنحاء العالم، خصوصاً في أوروبا والولايات المتحدة ولتنقلب الآية بما لا يصب في مصلحة القضيّة الفلسطينية في أي شكل من الأشكال. إن منظر السلاح الفلسطيني المتجوّل بشكل فوضوي في شوارع غزة ومدن الضفة ومخيّماتها يعطي فكرة خاطئة عن شعب يعاني من الاحتلال ومن ارهاب الدولة الذي تمثله اسرائيل.

من الآن، لا بدّ من القول أن لا فائدة من الحوار الفلسطيني في حال لا توجد رغبة في الانتهاء من فوضى السلاح وتوحيد البندقية الفلسطينية في خدمة استراتيجية سياسية واضحة قادرة على مواجهة الخطاب الغوغائي الذي ألقاه رئيس الوزراء الأسرائيلي أيهود أولمرت أمام الكونغرس الأميركي. هذا الخطاب الذي صفّق له أعضاء الكونغرس وقوفاً ست عشرة مرّة لم يتضمن جديداً. كلّ ما في الأمر أن الحكومة الأسرائيلية مصرة على رسم حدود الدولة اليهودية من جانب واحد متّكلة على أن لا وجود لشريك فلسطيني وأن الفشل الفلسطيني في غزّة سيتكرس في كلّ مكان آخر سينسحب منه الاحتلال مستقبلاً. هل من يريد التنبه الى ذلك في الجانب الفلسطيني أم أن المطلوب الوصول الى وضع تتحوّل فيه الأرض الفلسطينية التي لا يسيطر عليها الاحتلال رمزاً للفوضى لا أكثر؟

لا حاجة الى تكرار أنه لا وجود لأي نية اسرائيلية لتسهيل مهمة رئيس السلطة الوطنية. لو كانت هناك مثل هذه النيّة لكان أرييل شارون فعل شيئاً في العامين الماضيين، خصوصاً بعد انتخاب "أبو مازن" رئيساً للسلطة الوطنية استناداً الى برنامج في غاية الوضوح يقوم على التوصلّ الى تسوية عبر المفاوضات. ولكن هل يجوز لـ"حماس" وغير "حماس" تسهيل مهمة أولمرت الذي ينفّذ سياسة شارون وذلك عن طريق تأكيد أن الأراضي الفلسطينية "ساحة" لفوضى السلاح والإرهاب وأن كلّ طرف في السلطة وخارج السلطة يستطيع تشكيل ميليشيا خاصة به على غرار ما فعلت وزارة الداخلية الفلسطينية.

إما أن يحزم الفلسطينيون أمرهم وإما أن تسوء العلاقة أكثر بين الحكومة الفلسطينية ودول الجوار على رأسها مصر والأردن. فالواضح أنّ التمسّك بفوضى السلاح وبانشاء ميليشيات موازية لأجهزة الأمن الفلسطينية الرسمية هو الطريق الأقصر لخدمة اسرائيل من جهة وعزل القضية الفلسطينية عن محيطها من جهة أخرى. إمّا أن يتحمل الجانب الفلسطيني رئاسة وحكومة وفصائل مسؤولياته وإما أن تنتصر الغوغائية التي اعتمدها أولمرت الذي لم يتردد في القول أنه "لا يستطيع الانتظار طويلاً" قبل المباشرة في تنفيذ خطّته الهادفة الى ضمّ أجزاء من الضفّة، بما فيها القدس، الى اسرائيل وخلق أمر واقع جديد على الأرض.

نعم اسرائيل لم تقدم شيئاً لـ"أبومازن" على الرغم من رغبته في التفاوض انطلاقاً من برنامج سياسي واضح. لكنّ هل هذه ذريعة كي تتخلى الحكومة الفلسطينية عن الواقعية وكي تسمح باستمرار فوضى السلاح. إن حواراً فلسطينيا في ظلّ فوضى السلاح يوفّر دليلاً على ان الوضع الداخلي الفلسطيني وضع غير قابل للعلاج، أقلّه في المدى المنظور.

هل من مخرج؟ لقد عمل الرئيس الفلسطيني على ايجاد مثل هذا المخرج الذي يستهدف ابلاغ العالم أن هناك طرفاً فلسطينياً يريد أن يكون متورطاً في عملية السلام التي يجد فيها مصلحته. إن دعوة "أبو مازن" الى استفتاء على الرسالة الصادرة عن الأسرى الفلسطينيين، أسرى "فتح" وأسرى "حماس"، تعتبر دليلاً على وجود حيوية فلسطينية لا علاقة لها بما يدور في الأروقة السياسية، أو لدى الأطراف الاقليمية الساعية الى استخدام الفلسطينيين مرّة أخرى وقوداً في معارك لا مصلحة لهم فيها.

لقد امتلك "أبو مازن" ما يكفي من الشجاعة لوضع "حماس" في الزاوية خصوصاً أنّ الأسرى دعوا في رسالتهم الى التزام الشرعية التي تمثّلها منظمة التحرير الفلسطينية، اضافة الى اعتماد مبادرة السلام العربية التي أقرّتها قمّة بيروت في العام 2002 والتي تعترف باسرائيل صراحة.

نعم هناك مخرج لـ"حماس" وهو بديل من الحرب الأهلية. يبقى السؤال هل "حماس" حرّة في قرارها وهل هناك "حماس" واحدة لا تأخذ في الاعتبار سوى مصلحة الشعب الفلسطيني؟

في النهاية هل هناك من يريد مواجهة الخطاب الغوغائي لأيهود أولمرت؟ أم أن المطلوب العمل على تسهيل مهمة رئيس الوزراء الاسرائيلي الجديد استكمالاً لعملية تسهيل مهمة أرييل شارون عبر العمليات الانتحارية التي نفّذتها "حماس" في الماضي والتي لم تأت سوى بالكوارث على الشعب الفلسطيني!

كاتب لبناني

التعليق