جميل النمري

على هامش العيد الستين للاستقلال

تم نشره في الجمعة 26 أيار / مايو 2006. 03:00 صباحاً

ليست التهديدات الأمنية الراهنة بشيء قياسا بما مرّ على الأردن في عقود سابقة من محطّات كان الكيان فيها مهددا. الآن قد تفلت عملية ارهابية مثل تفجيرات الفنادق، لكن عدة عمليات تفشل قبلها وبعدها، وقد يقتل سائق أردني على طريق بغداد ثم تنجح قوى الأمن لدولة القانون الراسخة أن تجذب القاتل مخفورا الى العدالة.

لا اساس لبعض مظاهر التطيّر، فالعمليات الإرهابية تؤذي مثل لسعة بعوض لكنها لا تهدد وجود الدول ولا تغيّر الموازين.

التحديّات في عدّة محطّات أيام الحرب الباردة (خذ مثلا الـ 58 والـ63 والـ70) هددت فعلا كيان الدولة، لكن المعسكر الشرقي الذي انهار مطلع التسعينات كان يخسر مواقعه منذ منتصف السبعينات وخلال هذه الفترة وبعدها لم يعد الأردن يواجه أي تهديدات جدّية مصدرها معادلة الانقسام القديمة.

بيد أن انتهاء الحرب الباردة فتح سؤالا حول سمات النظام العالمي في ظلّ هيمنة قوّة واحدة لم تعد تخشى انهيار الدول وانقسامها وتفتتها في ظلّ انعدام خطر معسكر آخر يملأ الفراغ. صحيح ان الأصولية ظهرت ثم تاليا الارهاب كخصم جديد لكن ما جرى في العراق كان تخليا بل اطاحة بالدولة لمصلحة الفوضى والتفتت الذي ترتع فيه قوى ومجموعات دينية من كل شاكلة. وقد ظهرت في الولايات المتحدّة نظرية "الدول الفاشلة" التي تقول انه ليس من مهمّة اميركا ان تقوم بدور المصلح الاجتماعي ما دامت الدول ومجتمعاتها عاجزة عن اصلاح نفسها. ومن المؤكد ان مصلحة اسرائيل هي في انبثاق أكبر عدد من الدول العربية الفاشلة في محيطها، ولن تقلق اسرائيل كثيرا اذا اقتضت مصلحتها ان يكون الأردن ذات يوم دولة فاشلة تدخل في صراع ديمغرافي يمتصّ ما تبقى من مظاهر الصراع القومي على ارض فلسطين.

البعض يقرأ في الدور الأمني المميز ضدّ الإرهاب جهدا استثنائيا من الأردن يعكس جهدا سياسيا في تأكيد مكانته المميزة والثابته في الأقليم، لكن اذا صحّ ذلك فهو متطلب تكتيكي لا يغني عن رؤية استراتيجية أساسها جعل قوّة الأردن ورسوخه نابعا من داخله.

هناك تحديات سياسية من نوع مختلف قد لا تشكل تهديدا منظورا لكيان الدولة لكنها قد تفرض مسارات غامضة الأفق والمآلات. ونحسب ان حديث الملك المتكرر عن الحاجة لبناء أحزاب وطنية رئيسة تملأ الفراغ السياسي الداخلي يأتي في سياق الردّ الاستراتيجي على هذه التحديّات.

jamil.nimri@alghad.jo

التعليق