هل ينبغي أن تعود القوات إلى الديار الآن؟

تم نشره في الخميس 25 أيار / مايو 2006. 03:00 صباحاً

كان إعلان المسؤولين العراقيين في نهاية الأسبوع الماضي عن توصلهم إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية أخيراً بمثابة النبأ السار سواء بالنسبة للعراق أو جورج دبليو بوش وتوني بلير. ذلك أن الحكومتين الأميركية والبريطانية اللتين تدنت شعبيتهما بصورة متزايدة في الداخل، كانتا في مسيس الحاجة إلى تقديم دليل ملموس على إحراز تقدم من أجل إسكات أصوات المنتقدين والشروع في التحدث على نحو مكشوف عن إستراتيجية الخروج من العراق. لكن الحقيقة أن أضخم التحديات ما زالت تنتظر العراق. وإذا ما أعلن بوش وبلير النصر قبل أن تبدأ المعارك الحقيقة، فلسوف يؤدي هذا إلى تقويض العملية التي التزم بها الاثنان أشد الالتزام وتكبدا من أجلها ثمناً باهظاً.

لقد ظل بوش لأسابيع ينتظر أي تطور إيجابي من شأنه أن يسمح له بالتلميح إلى أنه يستطيع تخفيض أعداد القوات في العراق من 133 ألف جندي إلى مائة ألف بحلول نهاية عام 2006. أما بلير الذي ما زال يلعق جراحه بعد هزيمة حزب العمل في الانتخابات المحلية التي جرت في أوائل شهر أيار(مايو)، فقد رحب أيضاً بالأنباء السارة القادمة من العراق. وأثناء زيارة مفاجئة قام بها إلى بغداد في الثاني والعشرين من أيار(مايو)، تعبيراً عن النصر، قال إنه يتوقع أن تتسلم القوات العراقية المسؤولية عن "أمن أراضيها" في قطاع كبير من البلاد بحلول نهاية هذا العام. ثم أضاف: "إن العنف هو الذي يضطرنا إلى البقاء هنا، والسلام هو الذي يسمح لنا بالرحيل".

لكن هذا التفاؤل سابق للأوان. ذلك أن تشكيل حكومة وحدة وطنية ليس سوى العقبة الأولى من بين عقبات كثيرة يتعين على الحكومة العراقية الجديدة أن تتخطاها حتى تتمكن من بناء سلام دائم. وتتلخص المهمة الأولى للحكومة الجديدة في إزالة تلك الفقرات في الدستور العراقي التي تجعل السُـنَّة والشيعة والأكراد في صراع مستمر. طبقاً للقانون العراقي الحالي، يتعين على اللجنة البرلمانية المكلفة بإدخال هذه التغييرات على الدستور أن تكمل هذه المهمة خلال أربعة أشهر. ولقد بدأ العد التنازلي لهذه الأشهرالأربعة في الثالث من أيار(مايو)، في أعقاب أول اجتماع للبرلمان العراقي الجديد.

إن العراق في مسيس الحاجة إلى هذه التغييرات. ويتعين على اللجنة أن تسن قانوناً جديداً يضمن لكل طائفة من طوائف العراق نصيباً عادلاً من الثروة النفطية التي تتمتع بها البلاد، والتي تشكل 97% من إجمالي عائدات التصدير. والدستور الحالي يعطي الحق للحكومات المحلية في استغلال (وتحصيل الأرباح على نحو مباشر) النفط المستخرج من الحقول الجديدة التابعة لأراضيها، بينما تذهب حصة معلومة من دخل الحقول الموجودة حالياً إلى الحكومة المركزية العراقية.

في الخامس عشر من أيار(مايو) انضمت شركتان مستقلتان صغيرتان ("جينيل إنيرجي" التركية، و"أداكس بتروليم" الكندية) إلى باقي الشركات الأجنبية التي من المقرر أن تبدأ أعمال التنقيب عن النفط في المنطقة التي يسيطر عليها الأكراد، وذلك وفقاً لاتفاق مع الحكومة الإقليمية. والساسة الأكراد داخل البرلمان الجديد لديهم أسباب وجيهة تدفعهم إلى محاولة حماية هذه الصفقات المربحة في ظل المناقشات الدائرة بشأن التغييرات الدستورية.

لكن الحكومة المركزية سوف تحتاج إلى حصة كبيرة من ذلك الدخل حتى تتمكن من تمويل إنشاء مؤسسات الحكم الجديدة، والاستثمار في البنية الأساسية الحرجة، وتنفيذ إصلاحات مرهقة تهدف إلى تحويل البلاد إلى الاقتصاد الحر، وتخصيص حصة أكبر من ثروة البلاد للسُـنَّة في وسط العراق، الذين يفتقرون إلى الموارد الطبيعية (والذين بدؤوا بالفعل في إظهار عدم ارتياحهم).

من الأهمية بمكان أيضاً أن يتم تعديل الدستور بحيث يعمل على إبطال مفعول التأثيرات السيئة الناجمة عن عملية تفكيك حزب البعث، والتي سعت إلى إزالة البقية المتبقية من نظام صدّام حسين. ولكن في الممارسة العملية، أدى تفكيك حزب البعث إلى استبعاد الآلاف من العراقيين ـ أغلبهم من السُـنَّة الذي انضموا إلى حزب البعث أثناء حكم صدّام من أجل تأمين وظائف طيبة فحسب ـ من الحياة السياسية والاقتصادية للبلاد.

وأخيراً، يتعين على الحكومة العراقية أن تشرع في تفكيك الميليشيات التي ما زالت متفوقة على الجيش العراقي الوليد، ولابد أن تلحق الهزيمة بالتمرد الذي يقوده السُـنَّة. كل واحدة من هذه المهام تشكل عبئاً هائلاً. وإذا ما سحب بوش وبلير بصورة دائمة أعداداً كبيرة من القوات التي تدعم الاستقرار في العراق، فإن فرص النجاح المتاحة للحكومة الجديدة للبلاد سوف تتضاءل إلى حد كبير.

هناك سبب يدعونا إلى التفاؤل فيما يتصل باحتمالات نجاح الجهود الرامية إلى استئصال موجة العنف الجارية. ذلك أن مراسلي وسائل الإعلام المختلفة الذين يقدمون تقاريرهم عن إراقة الدماء في العراق يركزون بصورة واضحة على بغداد ـ حيث تتمركز الأكثرية العظمى من الصحافيين الأجانب ـ الأمر الذي يعطي انطباعاً بأن الوضع الأمني الباعث على اليأس هناك يصف ما يحدث في البلاد ككل. ولكن في المناطق الواقعة تحت سيطرة الأكراد في الشمال والأقاليم ذات الأكثرية الشيعية في الجنوب، سنجد أن مستويات الجريمة وأعمال العنف التي تفضي إلى الموت تضاهي مثيلاتها في العديد من المدن في الولايات المتحدة.

لكن الهجمات في "المثلث السني" العراق (وبصورة خاصة في بغداد) تحدث بمعدلات تنافس نظيراتها في الشيشان ودلتا النيجر. ومنذ دمرت الميلشيات السُـنِّية مسجد الإمام العسكري في شهر شباط(فبراير)، قُـتِل المئات من العراقيين في سلسلة من الهجمات الطائفية الثأرية. وفر عشرات الألوف من سكان المدن المشتركة بين الشيعة والسُـنَّة إلى مناطق معزولة تتمتع بالتجانس العرقي وتسيطر عليها مليشيات شيعية أو سُـنِّية. والحقيقة أن تواجد القوات الأجنبية فقط هو الذي من شأنه أن يبطئ من عملية تحول العملية السياسية المتوترة بالفعل في العراق إلى النمط البلقاني.

ولهذا السبب فإن الإغراء الذي يدفع بوش وبلير إلى تقليص احتمالات وقوع المزيد من الضرر السياسي في الولايات المتحدة وبريطانيا عن طريق إعلان النصر في العراق يشكل خطورة هائلة. وإذا ما استغلا الأنباء الطيبة للشروع في سحب أعداد كبيرة من القوات الأجنبية التي تساند استقرار العراق في هذه اللحظة الحاسمة الحرجة، فإنهما بذلك يقوضان المشروع الذي كرس كل منهما من أجله قدراً ضخماً من رأس المال السياسي. كما أن هذا التصرف من شأنه أن يجعل الحكومة العراقية الجديدة تحت رحمة قوى سوف تؤدي في النهاية إلى تمزيق البلاد.

إيان بريمر رئيس مجموعة أوراسيا، المستشارية العالمية للمجازفة السياسية. ومن المنتظر أن ينشر آخر مؤلفاته في شهر سبتمبر تحت عنوان "المنحنى: طريقة جديدة لفهم الأسباب وراء نهوض الأمم وسقوطها".

 خاص بالغد، بالتنسيق مع بروجيكت سنديكيت

التعليق