إبراهيم غرايبة

بين مساوىء الشمولية ومخاطر الديمقراطية

تم نشره في الثلاثاء 23 أيار / مايو 2006. 03:00 صباحاً

يعتقد المفكر الفرنسي البلغاري الأصل تزفتان تودورف (كتاب الأمل والذاكرة) أن أسوأ ما جاء به القرن العشرون هو نظام الشمولية والحكم المطلق كالشيوعية والنازية، وقد تغلبت عليهما الديمقراطية، ولكنها أسقطت قنابلها الذرية على الناس.

كان القرن العشرون في نصفه الأول خاصة سلسلة من المجازر والفظائع غير المسبوقة، فقد احتلت أوروبا أجزاء واسعة من العالم، ودارت الحرب العالمية الأولى، وكان ضحاياها عشرة ملايين قتيل، وقتل في الحرب العالمية الثانية 35 مليونا، وأعدمت تركيا نصف مليون إنسان، وأبادت مليونا ونصف مليون أرمني، وتعرض اليهود والغجر لعمليات إبادة في أثناء الحرب العالمية الثانية، وهلك في المجاعة التي أعقبت الحرب الأهلية في روسيا عام 1917 خمسة ملايين إنسان، ثم مات أربعة ملايين ضحية للقمع، وقضى ستة ملايين إنسان في مجاعة عام 1932، وربما تقل هذه الأعداد عن ضحايا الإنفلونزا التي تفشت في أثناء الحرب العالمية الأولى وراح ضحيتها حوالي مائة مليون إنسان.

هل تمثل الديمقراطية الجانب الآخر المشرق في القرن العشرين؟ لقد كانت نهاية الشمولية في الحرب العالمية الثانية بالقنابل النووية التي ألقيت على هيروشيما وناغازاكي في اليابان عام 1945، وهكذا فقد انتصرت الديمقراطية على الشمولية بالتدمير والفظاعة نفسها التي ارتكبتها الشمولية.

فإذا كانت الشمولية ممثلة في الشيوعية والنازية قد أسست نظام الرعب وجعلته المسيطر في البلاد، فقد استكملت الدولة الديمقراطية، وبالذات الولايات المتحدة الأميركية تصنيع السلاح المطلق، وقررت استخدامه على الفور.

فكانت الشمولية تعدم أعداءها وترهبهم بالوسائل البدائية والتقليدية كالإعدام رميا بالرصاص أو خنقا بالغاز والقتل جوعا، أما طريقة الإعدام في الدولة الديمقراطية فقد استنفرت جهود ومساهمة أكبر العلماء على كوكب الأرض، وفرضت تكنولوجيا متقدمة تقدح شررا، فكانت الشمولية تقتل البشر مستندة إلى الأسس العلمية التي تمتلكها، وأما الدول الديمقراطية فكانت تقتل البشر بواسطة تطبيق تجاربها العلمية.

ربما كانت القنابل الذرية لرد الإهانة التي لحقت بالأميركيين بسبب حادثة بيرل هاربر، ولكن ذلك الطفل في عمر الزهور في هيروشيما وجدته لم يدركا السبب الذي فرض عليهما تسديد حساب مرفأ بيرل هاربر. إن الديمقراطية لا تشبه الشمولية من ناحية الآثار التي تخلفها، ومع ذلك لم تتمكن أشلاء الأطفال الذين وقعوا ضحية المجازر من التمييز بين القنابل الشاملة والقنابل الإنسانية الذرية أو التقليدية التي كان من المفروض أن تنقذ حياة الكثيرين، وتساعد على نشر العدالة والأخلاق.

أما على صعيد العلاقات الدولية فالاختلاف بين الديمقراطية والشمولية لا يظهر أثره الواضح إلا في الشؤون الداخلية للبلاد، فإرادة الهيمنة موجودة في كلا النظامين.

ونتعلم من هذا أن العلاقات بين الدول لا يمكن أن تتغاضى عن صلة القوة، وفي كل الأحوال لسنا مضطرين لقبول التحريف في حقيقة هذه العلاقات، وعلينا الوقوف إلى جانب القوة التي تكشف عن هويتها، ورفض تلك التي تتخذ من الفضيلة قناعا تختبئ وراءه.

فكيف نوفق بين انعدام تأثير الأوهام على الإنسان وبين الحفاظ على الإنسان كغاية لأي عمل؟ هل نحن مهددون في المستقبل المنتظر بعودة عالم الشمولية أو بعودة منهجه؟ ولكن هل يمكن أن نتوقع شكل الغد الذي ينتظرنا؟

يتساءل تودروف ويجيب بأن الشعوب الأوروبية أصيبت بصدمة كبيرة نتيجة التجربة الشمولية التي فرضت عليها، بل وكانت هزة عميقة، أما الأضرار التي نجمت عنها فكانت فادحة، لذا لن نتصور أن تعود الأنظمة الشمولية بأفكارها لتأسر الشعوب في الغد القريب، ولكن غياب التهديد بالشمولية لا يبشر بتدشين تنحية مخاطر الديمقراطية.

إن المجتمعات لا تقوم دون هوية فردية أو جماعية، فالذاكرة تعمل بناء على هذه الهوية وتدعيمها، غير أن هذا المتطلب الشرعي يتوقف عن كونه شرعيا عندما يتغلب الانتماء إلى الهوية الجماعية على القيم الديمقراطية ذاتها المتمثلة بالفرد والعمومية.

ويسعى المنهج الأخلاقي السليم إلى التوحيد بين الأخلاق والسياسة، إن لم يكن داخل الدولة فعلى الأقل على صعيد المجتمع. ولكن المشكلة في تيار الأخلاق تظهر عندما يشجع على التنديد بخيانة المخالفين، وبدروس الأخلاق التي توجه للآخرين وسيادة الضمير الحي، والعودة في العلاقات الدولية إلى الحروب الصليبية والحروب الاستعمارية التي كانت تتم تحت لواء نشر الخير.

ibrahim.gharaibeh@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الإسلام هو الأمل (راكز أيوب)

    الجمعة 26 أيار / مايو 2006.
    الحدث الأعظم في القرن الحادي والعشرين هو الصحوة الإسلامية التي ستغير العالم ويكون بالفعل الإسلام هو الحل