اليمن وأمن الخليج العربي

تم نشره في السبت 20 أيار / مايو 2006. 03:00 صباحاً

 كان يفترض بجو الغزل الجديد بين اليمن من جهة ودول مجلس التعاون الخليجي واسمه الكامل "مجلس التعاون لدول الخليج العربية" من جهة أخرى، أن يكون حكاية حبّ قديمة لو كان هناك من يتطلع الى المستقبل ويفكّر في التحديات التي يبدو مقبلاً عليها.

كان مفترضاً منذ البداية، أي منذ اليوم الأوّل الذي طرحت فيه اليمن مسألة العلاقة بينها وبين مجلس التعاون في العام 1996 وربّما قبل ذلك، أن يكون هناك تفكير جدّي في الطرح اليمني من منطلق أن اليمن تشكّل العمق الاستراتيجي للدول العربية المطلّة على الخليج، وأن أمن هذه الدول من أمن اليمن كما أن أمن اليمن من أمن هذه الدول.

إذا عدنا قليلاً الى الوراء، أي الى تاريخ لم يمرّ عليه الزمن بعد، نجد أن قطر كانت الدولة الوحيدة التي شجّعت منذ العام 1996 على انضمام اليمن الى مجلس التعاون آخذة في الاعتبار أن اليمن تشكّل العمق الاستراتيجي لدول مجلس التعاون، وأن ما يقال عن أنها ليست دولة خليجية كلام فارغ ليس إلاّ. في الإمكان تجاوز ما حصل في الماضي والذي يمكن أن يكون عائداً الى حساسيات تجاه اليمن جراء ظروف معيّنة بينها تحقيق الوحدة اليمنية، والأجدى الحديث عما يدور حالياً خصوصاً من ناحية التقارب بين اليمن ومجلس التعاون الخليجي.

في هذا المجال لا يمكن تجاهل أن المنطقة كلّها دخلت مرحلة جديدة في أعقاب تطورات عدة بينها التهديدات التي تواجه الأمن الخليجي بما في ذلك الوضع العراقي والتهديدات التي تتعرّض لها إيران بسبب برنامجها النووي. فهي تهديدات عائدة بشكل مباشر الى أن من يتحكّم بمضيق هرمز، إنّما يتحكّم بجزء لا بأس به من النفط الذي يحتاجه العالم. ومن هذا المنطلق، برزت أهمية اليمن لكونها إحدى الدول القادرة على توفير سبل لتجاوز مضيق هرمز. ومعنى ذلك أن اليمن صارت بشكل أو بآخر، ومن دون حاجة الى الإعلان رسمياً عن انضمامها الى مجلس التعاون، جزءاً لا يتجزأ من المنظومة الأمنية الخليجية العربية. هي في الأصل كذلك، لكن التطورات الأخيرة في المنطقة كرّست هذا الواقع.

فرض الوضع الاقليمي الجديد اعترافاً بأهمية اليمن من نواح مختلفة بما في ذلك ضرورة تأهيلها. فقد تبيّن في النهاية أنّ اليمن تشكلّ العمق الاستراتيجي لمجلس التعاون الخليجي وأن للمجلس مصلحة مباشرة في العمل على تأهيل هذا البلد الذي يمتلك حضارة عريقة وثروة بشرية من أجل ضمان أمن الدول التي تنتمي اليه. وبكلام أوضح، صار هناك قبول خليجي لا لبس فيه بأن اليمن تعتبر عاملاً أساسياً من عوامل الدفاع عن المنطقة وعن المصالح العربية تحديداً.

يبدو أن العالم ومعه دول المنطقة على استعداد للاعتراف بأن ثمة توازنات جديدة في المنطقة وأن ليس في الإمكان تجاهل الوضع اليمني بعد الآن. المؤسف أن هناك يمنيين ما زالوا غير قادرين على استيعاب المعطيات الاقليمية والدولية الجديدة ويصرّون على التعاطي مع الواقع مستخدمين لغة خشبية أقرب ما تكون الى تنظيرات الحزب الاشتراكي عندما كان لا يزال حاكماً في عدن.

يفترض في اليمنيين، جميع اليمنيين، في هذه المرحلة استيعاب أن بلدهم على أعتاب مرحلة جديدة تتوّج سلسلة من المراحل مر فيها البلد منذ السبعينيات وكان أبرزها تحقيق الوحدة اليمنية من دون إراقة نقطة دم واحدة، ثم الدفاع عن هذه الوحدة ومواجهة مشروع الانفصال تفادياً لحرب أهلية بين اليمنيين كان معروفاً متى ستبدأ، ولكن ليس معروفاً متى يمكن أن تنتهي.

وفي حال عدنا الى التاريخ القريب، نجد أن اليمن استطاع أن يتجاوز بسلام سلسلة من المراحل صبّت كلّها في اتجاه تكريس الاستقرار في البلد، وجعله قادراً على ولوج المرحلة الجديدة التي دخلتها المنطقة. إنها من دون شك مرحلة في غاية الدقة إذا أخذنا في الاعتبار مخاطر الوضع العراقي وانعكاساته على محيطه القريب والبعيد وإذا أخذنا في الاعتبار أيضاً ما يمكن أن يترتب على المواجهة بين المجتمع الدولي وإيران، تلك المواجهة التي لا يستبعد أن تسير في اتجاه مزيد من التصعيد الذي ينذر بعمل عسكري ما.

لعلّ أوّل ما تحتاجه اليمن هذه الأيام هو الابتعاد عن أي نوع من الخضات الداخلية كي تستفيد من التطورات التي تشهدها المنطقة، وذلك لا يكون إلاّ بالبناء على الانجازات التي تراكمت منذ مطلع الثمانينيات والعمل على تصحيح أي أخطاء يمكن أن تكون رافقت هذه الانجازات. لا بدّ اذا من تذكّر أن حكمة الرئيس علي عبدالله صالح كانت وراء رفض الدخول في الصراعات التي شهدها الشطر الجنوبي وانتهت بأحداث 13 يناير- كانون الثاني 1986. وكانت الحكمة ذاتها وراء تفادي الدخول في حروب مع الذين خلفوا علي ناصر محمّد في الجنوب، بدل الدخول في مواجهة مع هؤلاء، تم الاتيان بهم الى الوحدة في الثاني والعشرين من مايو- أيّار 1990.

وكانت الحكمة وراء استنفاد كلّ المساعي الخيرة والوسائل السياسية قبل اللجوء الى السلاح للقضاء على محاولة الانفصال التي كان نجاحها سيؤدي في أحسن الأحوال الى"صوملة" اليمن بدل بقائه دولة موحّدة تسعى الى أن تكون على تماس مستمر مع التقدم والحضارة.

يمكن الإتيان بأمثلة كثيرة أخرى تدلّ على أن ما تحقق كان كبيراً وأن اليمن استطاعت تجاوز الكثير من الأفخاخ التي نصبت لها. تكفي في هذا المجال الإشارة الى الفخ الذي نصب لها في جزيرة حنيش التي عادت الى اليمن عن طريق التمسك بالقانون الدولي، بدل اللجوء الى السلاح. ويكفي لدى التطرق الى الانجازات، الإشارة الى ترسيم الحدود مع المملكة العربية السعودية وقبل ذلك مع سلطنة عُمان. من كان يجرؤ حتى على الحلم بأنّ الحدود سترسّم مع السعودية؟

فوق ذلك كلّه، استطاعت اليمن تطوير تجربتها الديمقراطية على الرغم من كلّ المؤامرات التي استهدفتها. الأحزاب موجودة، وصحفها تتحدث عن كلّ ما تريد أن تتحدّث عنه. ومع ذلك، تستمر الحياة طبيعية في البلد، ويستمرّ العمل على تطويره من منطلق أن الديموقراطية تعني تحمّل الكثير. وبين ما تفرض الديمقراطية على ممارسيها تحمّله منطق اللامنطق من نوع دعوة أحزاب المعارضة التي لا يجمع بينها عملياً شيء، الى تغيير النظام في البلد.

الأحزاب اليمينة تدعو صراحة الى"الأخذ بالنظام البرلماني بديلاً من النظام القائم". تريد تغيير النظام بدل تطويره؟ هل يمكن الحديث عن تبديل للنظام من دون ثورة؟ ثورة على ماذا؟ وعلى من؟  ومن أجل ماذا؟ هل من بديل للديموقراطية في اليمن؟ هل نسيت هذه الأحزاب أن النظام القائم برلماني الى حدّ كبير؟ هل نسيت أن النظام القائم انبثق عن دستور أُقرّ في استفتاء شعبي كرس التعددية السياسية والمحافظة على الحريات الشخصية وحمايتها؟ أي دستور يمكن أن تتفق عليه الأطراف التي تطالب بتغيير النظام؟! أي أيدلوجية يمكن أن تجمع بين هذه الأحزاب؟!

في الذكرى السادسة عشرة للوحدة اليمنية، ثمّة حاجة الى القول إن المزايدات لا يمكن أن تكون أساساً لسياسة، لكنّ الحكمة تبني سياسة وتبني بلداً. ما تحتاجه اليمن في المرحلة المقبلة الى الحكمة أوّلاً. ومعروف جيداً أين هذه الحكمة موجودة. ومعروف جيداً أن اليمن سيستفيد من الاستقرار بعدما تبيّن أنّ مجلس التعاون بات على قناعة بأنه جزء لا يتجزأ من المجلس وأن الأمن الأقليمي لا يمكن أن يختصر بشن حرب على الارهاب فحسب. بل هناك ما يسمّى الأمن الاجتماعي. هذا الأمن لا يمكن أن يتأمّن لدول المنطقة في حال عدم الاستثمار في عملية تأهيل اليمن ذات الموقع الاستراتيجي المهم والثروات المحدودة. وهذا الأمن لا يمكن أن يتأمن في حال وجود من يريد تغليب المزايدات على الحكمة!

كاتب لبناني

 

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »كلمة حق (أبوالحارث)

    الثلاثاء 23 أيار / مايو 2006.
    اليمن محل حضارة كبيرة لجميع دول الخليج ولكن ينقصها التعاون