الحرية الاقتصادية في العالم العربي

تم نشره في الأربعاء 10 أيار / مايو 2006. 03:00 صباحاً

أخذت الفكرة المتمثلة في أن الحريّة الاقتصادية هي أمر جوهري لتقدم البشر تنتشر في العالم العربي. وأثناء عشاء احتفالي أُقيم في العاصمة العُمانية مسقط نهاية العام الماضي، وحضره المئات من الديبلوماسيين العرب والضيوف البارزين الآخرين، قامت منظمة عمانية جديدة، هي مؤسّسة البحوث الدولية، بنشر تقرير"الحرية الاقتصادية في العالم العربي"، والذي يوضّح كيف أن الفروق الكبيرة في السياسات داخل المنطقة يمكن أن تُحدث فروقاً كبيرة في النتائج الاقتصادية.

ينظر التقرير في تسع وثلاثين حالة متغيّرة في ستة عشر بلداً في المنطقة، تتراوح فيما بينها من حجم الحكومة إلى السياسة النقدية والمالية والانفتاح التجاري والتنظيم وسيادة القانون. والتقرير الذي جرى نشره بالاشتراك مع معهد فريزر، علماً أن مؤشّره العالمي حول حرية الاقتصاد معروف جيداً، يوحي بأن ما يصدق على العالم ككل يصدق أيضاً في العالم العربي: إن البلدان التي تتمتع بحرية اقتصادية تميل إلى أن تصبح أكثر ازدهاراً، وتنمو بشكل أسرع.

تقول الدراسة: إن"العالم العربي هو لحاف مرقّع بألوان مختلفة من النظم الاقتصادية". لذلك، فإن مدى التبادل الطوعي، وأمن حقوق الملكية، وحريّة التنافس، وحريّة الاختيار، تختلف بشكل واسع داخل المنطقة. فلبنان وعُمان متعادلتان في المركز الأول على صعيد مفهوم حريّة الاقتصاد، فيما تتعادل كلّ من الإمارات العربية المتحدة والكويت في المركز الثاني، وتأتي كلّ من سورية والجزائر في أسفل القائمة.

قد لا يفاجأ بعض المراقبين بحقيقة أن البلدان التي تتمتّع بحرية اقتصادية أكبر، والتي تهيمن عليها دول النفط، تنزع أيضاً إلى تحقيق إيرادات أكبر. فمعدّل دخل الفرد في كلّ من عُمان والكويت يبلغ 13032 دولاراً و17073 دولاراً على التوالي، في حين يبلغ معدّل دخل الفرد في سورية 3651 دولارا فقط، على سبيل المثال. ولكن النفط ليس دائماً نعمة، إذ إن العديد من الدول غنية بالنفط، لكن نظراً إلى أن حكوماتها تستطيع الوصول بسهولة إلى ثروة النفط، فإنه يتم فعل القليل لتحسين الاقتصادات الشاملة لتلك الدول، والأوضاع المادية لمواطنيها. وهكذا تصبح الثروة النفطية عائقاً أمام حريّة الاقتصاد.

وقد ابتليت بـ"لعنة النفط" بلدان مثل فنزويلا ونيجيريا والمكسيك وروسيا، إلا أن لعنة النفط ليست بهذه الشدّة تماماً في دول الخليج. فدول النفط بوجه عام تنجز بشكل أفضل من الدول العربية الأخرى، وقد يكون سبب ذلك مرتبطاً بالتجارة. ومن الجدير بالذكر أن دول النفط المدرجة في التقرير(لم يتم إدراج العراق بسبب الافتقار إلى معلومات) قد احتفظت لمدة طويلة بمستوى عالٍ نسبياً من حرية التجارة، ووجود نظام تجاري متحرّر يعتبر أمرا هاماً، لأنه يخلق ديناميكية سياسية محلية تشجّع الناس على المشاركة في أنشطة منتجة، بدلاً من السعي إلى الحصول على محاباة من الحكومة. وباختصار، فإن التجارة الأكثر تحرّراً تقلّل من قدرة المصالح الخاصة على تخفيض الحريّة الاقتصادية، وقد تساعد على زيادة الحريّة الاقتصادية في مجالات أخرى.

لقد لعبت الإمارات العربية المتحدة دوراً إيجابياً بصفة خاصة في تشجيع حرية التجارة والاقتصاد. ويشير سالم الإسماعيلي، وهو مؤلف مشارك في وضع مؤشر حرية الاقتصاد العربي، إلى أن الإمارات العربية المتحدة -وهي البلد الخليجي الذي احتفظ بنظام تجاري حرّ لأطول مدّة– تقدّم نموذجا عملياً واقعياً للدول المجاورة. وبما أن تجارتها قد بقيت حرّة نسبياً خلال العشرين عاما المنصرمة، فقد عملت دولة الإمارات بشكل مطّرد على زيادة مستوى الحرية في مجالات أخرى لاقتصادها، إذ قامت بجذب الاستثمارات، وتحقيق النمو. وقد قامت بلدان أخرى بمحاكاة هذه القدوة. إن التنافس في السياسات بين البلدان هو هام بشكل مماثل للتنافس في السوق.

ومع ذلك، يلاحظ التقرير أنه في العالم العربي"تظلّ معظم أنواع التفاعل الاقتصادي... محدودة وغير هامة بشكل ملفت للنظر". فالتجارة بين بلدان الشرق الأوسط تمثّل فقط حوالي 8 بالمائة من تجارة المنطقة. والافتقار إلى حرية الاقتصاد في عدد كبير من البلدان العربية يحدّ من التجارة، ممّا ينتج عنه أن الدول الأكثر غنى"تجد منتجات أفضل وأرخص خارج المنطقة، بدلاً من دول المنطقة التي تتوفّر فيها الأيدي العاملة، والتي بدأت تصبح حريّة الاقتصاد فيها منخفضة نسبياً".

وتبقى هنالك مشاكل أخرى حتى في البلدان العربية الأكثر تحرّراً من الناحية الاقتصادية؛ ففي عُمان، على سبيل المثال، ارتفعت نسبة البطالة إلى 15 بالمائة، وحكومتها التي تقوم بتوظيف حوالي نصف القوى العاملة العمانية، حجمها كبير. ولحسن الطالع، يبدو أن هذا البلد يدرك أن احتياطاته النفطية لن تدوم إلى الأبد، وبالتالي فقد استمر في رفع مستواه الخاص بحريّة الاقتصاد.

إن التقدّم المذكور في عُمان ودول الخليج الأخرى ولبنان يمنح الأمل بأن الدول العربية كافة تستطيع تحقيق ودعم الرخاء الاقتصادي.

إيان فاسكيز هو مدير مشروع الحرية الاقتصادية العالمية في معهد كيتو بواشنطن العاصمة، www.cato.org

خاص بـ"الغد"، بالتنسيق مع مصباح الحرية www.misbahalhurriyya.org .

التعليق