حكومة اولمرت تصطدم بالواقع قبل بدء عملها

تم نشره في السبت 29 نيسان / أبريل 2006. 03:00 صباحاً

تبلورت في نهاية الاسبوع المنتهي الملامح الاساسية للحكومة الاسرائيلية الجديدة برئاسة ايهود اولمرت، والعنوان الابرز لهذه الحكومة انها تحمل المشروع السياسي الذي تفرضه المؤسسة العسكرية، والذي يسعى إلى تعميق الاحتلال في الضفة الغربية وليس الانسحاب منها.

فخلال شهرين، بادر اولمرت الى اجراء تعديلات في خطته السياسية الخطرة اصلا، ورغم ان هذه التعديلات تظهر وكأنها شكلية، إلا ان مجرد حدوثها يؤكد للقادة الاسرائيليين صعوبة تطبيق خططهم على أرض الواقع.

وآخر ما "تبشر" به حكومة ايهود اولمرت، انها ستسعى إلى "تقليص سيطرتها" في الضفة الغربية، بعد ان شطبت كليا مصطلح "الانسحاب"؛ وهذا مردّه رفض العقلية الاسرائيلية الاعتراف بأنها دولة تمارس الاحتلال، وهي تريد اجراء تغييرات في جغرافية سيطرتها في الضفة الغربية من منطلق مصالحها العسكرية الأمنية، وليس من منطلق تنفيذ قرارات الشرعية، ولتستفيد في نفس الوقت بأقصى ما يمكن من الأرض الفلسطينية.

فقبل شهر من اليوم، أي فجر يوم ظهور النتائج الأولية للانتخابات البرلمانية الاسرائيلية، ألقى اولمرت "خطاب الفوز" امام مؤيدي حزبه الجديد "كديما"، وأعلن أنه سيطبق خطته التي أسماها في حينه "خطة التجميع"، التي تقضي باخلاء بعض المستوطنات الصغيرة والنائية في الضفة الغربية، وضم المستوطنين الى سبعة تكتلات استيطانية، تسيطر على اكثر من نصف مساحة الضفة الغربية، اكبرها من حيث المساحة في منطقة غور الاردن، واكثرها من حيث تعداد المستوطنين في منطقة القدس المحتلة، من جنوب رام الله وحتى شمال بين لحم. لكن أولمرت اليوم غيّر اسم خطته من "خطة التجميع" الى "تقليص السيطرة في المناطق"، والمقصود الضفة الغربية المحتلة، وهو مصطلح لم يظهر في برنامج حزب "كديما"، بل تبين لاحقا انه المصطلح الذي استخدمته لجنة عسكرية أمنية، تضم كبار قادة الأجهزة الاستخباراتية والعسكرية السابقين، وانتهت في الاسبوع الماضي من وضع رؤية استراتيجية عسكرية وامنية بعيدة المدى لاسرائيل، سيتم تطبيقها في الفترة المقبلة.

وهذا هو التقرير الاستراتيجي الثاني من نوعه في تاريخ اسرائيل، الذي يضع رؤية استراتيجية بعيدة المدى تبرمج الحكومات سياساتها وفقا لها؛ اما الرؤية الاستراتيجية السابقة فقد وضعها رئيس الحكومة الاسرائيلية الأول ديفيد بن غوريون قبل خمسين عاما، ومنذ تلك الفترة لم يتم تعديل تلك الرؤية، وكانت حكومات اسرائيل تعد برامجها وفق تطورات آنية محلية واقليمية وعالمية، الى ان قرر رئيس الحكومة السابق ارييل شارون اقامة اللجنة المذكورة التي عملت على مدى اكثر من عام ونصف العام حتى اعدت تقريرها.

والمسألة هنا أبعد من مجرد تعديل التسميات، فأمامنا اثبات واضح ملموس اننا امام حكومة مسيّرة عسكريا، وليست مخيّرة في قراراتها. كذلك، فإن مصطلح "خطة التجميع" يعكس خطوات عينية وواضحة، فيما مصطلح "تقليص السيطرة على المناطق" مصطلح فضفاض، ليس فيه أي التزام بشأن الشكل الذي تريد فرضه حكومة الاحتلال الاسرائيلي من جانب واحد، رغم انهما يصبان في نهاية المطاف في الهدف ذاته، وهو عدم قبول الانسحاب الفعلي والكامل من الضفة الغربية، وبالتالي السماح باقامة دولة فلسطينية قادرة على الحياة، بل إن الهدف هو تحويل الضفة إلى بضعة كانتونات فلسطينية منفصلة عن بعضها بعضا، مع حرية حركة من دون قيود لجيش الاحتلال في جميع انحاء الضفة الغربية.

ومن جهة أخرى، بات ايهود اولمرت والطاقم المتبلور من حوله، يدرك عدم واقعية ما وعد به الجمهور الاسرائيلي في الحملة الانتخابية المنتهية، حينما اقنع ذلك الجمهور أن بامكان اسرائيل فرض حل احادي الجانب، وتقرير حدودها بنفسها مع الضفة الغربية؛ إذ قد تنجح اسرائيل في استكمال بناء الجدار، وعزل جميع المناطق السكانية الفلسطينية عن بعضها، لكن اسرائيل لا تستطيع ان تنهي بذلك حالة الصراع والتدهور الأمني، وهذا ما يريده المواطن الاسرائيلي بالاساس، لأن الاحتلال يغير شكله، ويحافظ على جوهره، لا بل يزيده سوءا.

أيضا، تدرك حكومة اولمرت المقبلة منذ الآن انه لن يكون بامكانها تجنيد العالم الى جانبها في مخططها احادي الجانب؛ فأكثرية "دول القرار" في الاسرة الدولية تدعم اسرائيل واحتلالها باشكال مختلفة، نظرا لاختلال موازين القوى في العالم، لكن هذه الدول لا تستطيع لعدة اعتبارات ان تمد يدها إلى مشروع كهذا يناقض قرارات الشرعية الدولية كافة. ولهذا، فإن اقسى عون من قبلها لاسرائيل هو مساعدتها على المماطلة في أي تحرك نحو الأمام في انتظار ظروف جديدة، وهذا هو الموقف الاميركي حسب ما ينشر في وسائل الاعلام الاميركية.

وكان اولمرت متنبها الى احتمال حدوث تغييرات في السياسة الدولية مع نهاية العام 2008، وهو العام الذي ينهي فيه الرئيس بوش وادارته ولايتهما الثانية، وليس من الواضح أي طاقم جديد ستحمله الانتخابات الاميركية القادمة الى البيت الابيض. وعلى مدى نحو 15 عاما، منذ مؤتمر مدريد، كانت "المواسم الانتخابية"، الاسرائيلية والاميركية بالاساس، ومن ثم الفلسطينية، مناسبات "رائعة" للاحتلال الاسرائيلي لتجميد المسارات السياسية كافة.

وبناء على ذلك، أعلن اولمرت انه يريد تنفيذ خطته حتى موعد الانتخابات الاميركية من دون ذكرها، فهو يعتبر ان أي تغيير مقبل في البيت الابيض سيؤدي الى تغيير في توجهات الأسرة الدولية.

لكن الأهم من هذا هو ان اولمرت، الذي يشكل ائتلافا يضم 73 نائبا على الأقل من أصل 120 نائبا في البرلمان الاسرائيلي، لا يضمن أكثرية برلمانية لخططه؛ فاليمين الاسرائيلي الذي يسيطر على 33 مقعدا سيعارض بالضرورة أي انسحاب، ولو محدود، من الضفة الغربية، أما النواب العشرة الذين يمثلون الكتل الناشطة بين فلسطينيي 48، فلن يكون بمقدورهم دعم مشروع احادي الجانب، حتى وإن نص على انسحاب من بعض مناطق الضفة الغربية.

وفي داخل الائتلاف، فإن اولمرت قد يواجه معارضة من قبل كتلتي المتدينين الاصوليين (الحريديم)، "شاس" (12 مقعدا) و"يهدوت هتوراة" (6 مقاعد)، اللتين قد تواجهان ضغوطا من اليمين واليمين المتطرف لمعارضة أي انسحاب من الضفة، وخاصة "شاس" التي ستقلق على جمهور مصوتيها الذي هو بغالبيته الساحقة من اوساط اليمين الاسرائيلي.

وعمليا فإن ما سنلمسه خلال ولاية هذه الحكومة الجديدة على صعيد مخططات اسرائيل احادية الجانب اقل مما نسمعه اليوم، وما يدعم هذه الرؤية تصريحات اثنين من قادة حزب "كديما" الحاكم لصحيفة "معاريف"، من دون الكشف عن هويتيهما، إذ قالا ان ما سينفذ هو اقل بكثير مما يعلن اليوم. فحالة التشرذم في البرلمان الاسرائيلي، وتناقض المصالح فيه، والموقف المتحفظ والمتردد في الاسرة الدولية من مخططات اسرائيل، اضافة الى التطورات المتلاحقة على الساحة الفلسطينية، كل هذا سيبطئ التحرك الاسرائيلي، وعمليا هذا يؤكد اننا في المحصلة النهائية مقبلون على مرحلة جمود، مع خطر انفجار كبير في المنطقة.

صحافي وكاتب سياسي مقيم في الناصرة

bjaraisi@yahoo.com

التعليق