هل نفذ مفعول الديمقراطية؟

تم نشره في الأربعاء 26 نيسان / أبريل 2006. 03:00 صباحاً

لا يكاد يمضي يوم دون ان نقرأ او نسمع أنّ دليلا جديدا قد ظهر يؤكد قناعة القيادات التي قررت شن الحرب على العراق بأنّه كان خاليا من اسلحة الدمار الشامل، وأنّه لم تكن هناك اية علاقة لنظام الحكم السابق في العراق بالإرهاب.

تكررت تلك الحقائق لدرجة مملة، اولا لأنّها حقائق كانت معروفة مسبقا، وثانيا لأنّه في غابر الايام كان يترتب على كشف الحقائق اجراءات ومحاسبة للمسؤول عن ارتكاب الخطأ، حتى في حالة ارتكاب الخطأ بحسن نية. أمّا في هذه الايام فإنّ المسؤول يخطئ مرة وثانية وثالثة، ويخطئ بسوء نية، وينتج عن خطئه كوارث وتسقط ضحايا، وتدمر أوطان، ولا تترتب على ذلك اية مسؤولية او اية محاسبة.

آخر حلقات كشف الأسرار الكثيرة التي ترددت في كواليس عواصم الحرب، التي لا يزال القسم الاكبر، بالتأكيد، منها خافيا، آخر هذه الحلقات ما صرح به مسؤول سابق في وكالة الاستخبارات المركزية(CIA) لبرنامج ستون دقيقة(CBS) يوم الأحد الفائت وأفاد بأنّ الرئيس بوش كان قد ابلغ قبل حرب العراق, واستنادا لمصادر موثوقة، بخلو العراق من اية اسلحة للدمار الشامل.

ولكن ذلك المسؤول، تايلر درامهيلر، أضاف بأنّ البيت الابيض ألقى بالانذار جانبا قائلا:"لم يعد لنا أي اهتمام بأية معلومات استخبارية" وان السياسة بصدد العراق قد تم رسمها.

وفي خلاصة نشرتها وكالة الانباء الفرنسية(يوم 22/4/2006) وظهرت ايضا على موقع أنتي وور، ورد ايضا ان تصريحات درامهيلر تؤكد التهم السابقة بأنّ ادارة الرئيس بوش استخدمت المعلومات الاستخبارية بصورة انتقائية عندما كانت بصدد جمع المبررات لحرب مقررة ضد العراق ولإسقاط نظام صدام حسين، بربيع عام 2003.

ويجدر بالذكر أنّ المعلومات التي قدمت للرئيس بوش في حينه، وقبل صدور اوامر الحرب، كانت قد وصلت لأجهزة الاستخبارات الأميركية من قبل آخر وزير خارجية عراقي في عهد صدام حسين، ناجي صبري، الذي وصفه الخبر بأنّه كان قد عمل مخبرا سريا لعدد من وكالات الاستخبارات الغربية.

بطبيعة الحال لم يكن هذا هو الاكتشاف الاول، ولن يكون الأخير، فقد تكشفت في بريطانيا حقائق كثيرة كلها تدلل بوضوح أنّ قرار الحرب لم يكن مرتبطا لا بالبحث عن اسلحة دمار شامل ولا بمحاربة ارهاب، لم يكن للعراق علاقة به.

السؤال: لماذا اذن لم تفلح الديمقراطيات العريقة، كما هو مطلوب منها، وكما هو متوقع منها، في تصويب هذه الاخطاء الجسيمة والسياسات المغرضة بحق الشعوب في البلدان المعتدية، والبلدان المعتدى عليها على حد سواء؟!

من اهم فضائل الديمقراطية أنّها توفر الضمانات للمحاسبة في مثل هذه الحالات. صحيح ان اكثر الانظمة الديمقراطية تمنح فترة زمنية. معدلها أربع سنوات، لمن يتم انتخابهم لتولي مسؤولية الحكم، ثم يخضعون لاختبار وتقييم شعوبهم من جديد عند نهاية هذه الفترة. ذلك في الأحوال والظروف العادية، اما عندما يقدم القادة على اتخاذ قرارات كبيرة يثبت خطؤها فإنهم يتنحون على الفور. ويخلون ساحة الحكم لمن هم أقدر وأجدر.

لقد أسقطت حرب السويس عام 1956 رئيسي وزراء بريطانيا وفرنسا، ايدن وموليه، لأنهما تواطآ مع اسرائيل على غزو مصر ردا على قرار مصر بتأميم قناة السويس. ولأن تلك الحرب، التي وان كانت قد نجحت في تحقيق اهدافها العسكرية، كانت كارثة سياسية فقد تحمل اصحاب القرار المسؤولية وتخلوا عن موقعهم في الحكم.

وقد اسقطت فضيحة ووترغيت التي اخذت تتفاعل بين عامي 1972

و1974 الرئيس نيكسون الذي قدم استقالته كرئيس للجمهورية الاميركية عام 1974 بعد أن حاصرته الفضيحة والمسؤولية لدرجة حالت دون استمراره في الحكم.

وأطاحت حرب الفوكلاندز بين بريطانيا والارجنتين باللورد كارنغتون عام 1982. لم تكن لكارنغتون، الذي كان يشغل منصب وزير الخارجية خلال الازمة، اية مسؤولية مباشرة بالاحداث. فقد أقدمت الارجنتين على احتلال الجزر المتنازع عليها، وردت بريطانيا بحرب شاملة مضادة انتهت بتحرير الجزر واستسلام الارجنتين، ومع ذلك سقط اللورد كارنغتون لتحمله وتحمل وزارة الخارجية مسؤولية عدم تنبيه حكومة بلاده مسبقا بأنّ ازمة ما مع الارجنتين كانت على وشك الوقوع. لا يوجد مجال للمقارنة بين هذا الخطأ وبين الاخطاء الفظيعة التي يدور حولها الجدل بالنسبة لحرب العراق وعواقبها الوخيمة.

وقد أدت فضيحة أخلاقية الى سقوط اللورد جورج بروفيومو، وزير الدولة لشؤون الحرب البريطاني عام 1962، حين انكشفت علاقته مع كرستين كيلر، المومس التي كانت لها علاقات مشابهة مع الملحق البحري في السفارة الروسية ذلك الوقت، وفي خضم الحرب الباردة.

والتاريخ مليء بالامثلة، وحتى في بلادنا التي لا تعمل بمثل هذه التقاليد فلم يتردد عبدالناصر بعد هزيمة عام 1967 من أن يعلن مسؤوليته عن تلك الهزيمة وتنحيه عن السلطة لكن التظاهرات الضخمة في بلده وفي معظم البلدان العربية ادت الى عدوله عن الاستقالة، ولم يعمر بعد تلك النكسة القومية والشخصية طويلا.

باستثناء ما جرى في اسبانيا حيث اسقطت اول انتخابات برلمانية حكومة الحرب، لم يتكرر الشيء ذاته في كثير من العواصم المسؤولة الأخرى. فلقد اعيد انتخاب الرئيس بوش واعيد انتخاب رئيس الوزراء بلير وأعيد انتخاب رئيس الوزراء الاسترالي، ولم تكن خسارة بيرلسكوني في الانتخابات الايطالية الاخيرة الا بنسبة ضئيلة جدا.

لماذا لم يعد للديمقراطية ذلك المفعول الحاد؟ ولماذا اصبح القادة الذين يرتكبون أفدح الاخطاء في مأمن من المحاسبة وتحمل المسؤولية؟

لعله الانهيار الذي يصيب بالضرر البالغ اكثر مجالات حياتنا السياسية.

سفير الأردن السابق في الأمم المتحدة

التعليق