محمد أبو رمان

"ثقافة الخوف" سياسياً

تم نشره في الأربعاء 26 نيسان / أبريل 2006. 03:00 صباحاً

  تمثّل ثقافة الخوف أحد أبرز كوابح الإصلاح والتغيير السياسي في العالم العربي، وإحدى المعضلات التي تواجه المعارضة السياسية التي تعجز - في كثير من الأحيان- عن دفع الناس للوقوف خلفها والمطالبة بحقوقهم ومصالحهم السياسية في مواجهة السلطة التي تمثل ثقافة الخوف، أحد أبرز مصادر شرعيتها الواقعية.

في المقابل هناك اتجاه من المفكرين والسياسيين العرب الذين يرون أنّ ثقافة الخوف هي "خرافة" موجودة في عقول بعض المفكرين والمثقفين، وأن الأحداث الواقعية تثبت – تماما- أن الشعوب العربية تمتاز بشجاعة كبيرة ونادرة في مواجهة التحديات الخطيرة على الرغم من ضعف إمكانياتها وقلة حيلتها. ولعل المثال البارز في هذا السياق، هو مقاومة الشعوب العربية للاستعمار الغربي والمقاومة العراقية اليوم، والانتفاضات الفلسطينية المتتالية، فعن أي خوف يمكن أن نتحدث والشعوب العربية تقاوم بأقل الأسلحة أكبر وأعتى القوى العالمية؟!

في الحقيقة رؤية هذا التيار - في شق منها- صحيحة، أي ما يتعلّق بمواجهة الاستعمار الخارجي العسكري، لكنها فيما يتعلق بالأوضاع السياسية العربية الداخلية تحمل مفارقة شديدة؛ فعلى الرغم من انتشار وتجذر حالة عدم الرضا والرفض الشعبي للواقع السياسي الراهن فإنّ الشعوب العربية لا تزال في حالة من السلبية والعدمية والعجز عن اتخاذ خطوات واضحة عملية لنيل حقوقها المسلوبة ولمواجهة التحدي السياسي الداخلي.

وفي الوقت الذي تمكنت كثير من شعوب العالم من التقدم في انتزاع الديمقراطية والحرية من براثن الاستبداد والتسلطية فإن الدول والمجتمعات العربية لا تزال تقبع في ذيل قائمة الديمقراطية العالمية، وقد تجاوزتها الموجة الديمقراطية الثالثة، والرابعة على الطريق، في ظل نكوص سياسي جديد في الآونة الأخيرة، بعد أن تمكنت النظم العربية - المحترفة في صناعة الاستبداد- من إعادة المناخ العام إلى حالة الطوارئ والرعب مستثمرةً الاخفاق الأميركي في العراق والنشاط البائس للجماعات التي تسمي نفسها "جهادية".

ما سبق يضعنا مباشرة أمام مفهوم "ثقافة الخوف"، التي تمثل أغلالا وقيودا تعيق قدرة الإنسان العربي على مواجهة الواقع السياسي وإصلاحه. إلاّ أنّ الاشتباك الإيجابي المطلوب مع هذه الثقافة لا بد أن يتم وفق قراءة موضوعية عميقة تربط هذة الثقافة بشروطها وروافدها سواء كانت الموروثة أو المعاصرة.

تمثل ثنائية أو جدلية "الفتنة والأمن" أبرز روافد ثقافة الخوف الوافدة من الخبرة التاريخية للعرب والمسلمين. فالأمن يقوم على القبول بالاستبداد والأمر الواقع، فيما ستؤدي محاولات التغيير بصاحبها إلى مشكلات كبيرة وقد تجر المحتمعات إلى كارثة من الحروب الأهلية والدموية. ويكفي في هذا السياق إطلالة سريعة على التراث العربي الإسلامي لنجد أنّ أغلبه يكرس ثقافة الخوف ويحذّر من مغبة المعارضة والخروج على السلطة حتى لو كانت ظالمة. فابن تيمية يؤيد العبرة التاريخية التي تقول: "حاكم ظلوم خير من فتنة تدوم"، وابن جماعة يؤكد في "تحرير الأحكام" أنّ الشوكة والقوة هي مصدر شرعية الحكم، والفقه المالكي يتواتر على مقولة "من اشتدت وطأته وجبت طاعته". ويجيب عبد الله بن عمر عن سؤال الموقف من الصراع بين عبد الملك بن مروان وعبد الله بن الزبير بالقول: "نحن مع من غلب". وابن خلدون يحذّر أنّ أحوال الممالك والدول راسخة لا تؤثر فيها دعوات المصلحين والدعاة، الذين يموتون آثمين غير مأجورين إذا خرجوا على الحاكم من دون أن يمتلكوا "العصبية القبلية المطلوبة".

التراث العربي مكتنز بالنصوص والأدبيات التي، وإن كانت لا تمجد الاستبداد بالضرورة، تكرس من ثقافة الخوف السياسي، وتدعو إلى الابتعاد عن محاولات تغيير الواقع والخروج عليه. والمشكلة لا تقتصر فقط على هذا التراث، وهو وليد شروط تاريخية معينة، بل في انتقاله إلينا والتعامل معه خارج شرطه التاريخي والسياسي، وتبني اتجاهٍ فقهيٍ، هو في الأغلب رسمي، لكثير من أحكامه وفتاواه ووضعه في مرتبة موازية للنص المنزل، وكأنه أحكام شرعية وليست اجتهادات فقهية وفكرية في التعامل مع ظروف سياسية معينة!

إذن؛ التراث الإسلامي بأبعاده الشعورية المتوارثة في النفوس، وتراكماته الفكرية والمعرفية يمثَّل رافدا رئيسا لثقافة الخوف. ولا تشفع الخبرة السياسية العربية المعاصرة في التحرر من هذه الثقافة، بل تؤكد عليها من خلال ممارسة تجرّم المعارضة وتخوّنها وتجعل من السجون والمعتقلات المصير المتوقع لأي معارض سياسي، وتتخذ أدوات ووسائل متطورة في التعذيب والاضطهاد ودعم مصالحها واستقرارها، وتستغل مواردها المالية والتوزيعية في استراتيجية المنح والمنع.

الروافد السابقة لثقافة الخوف وجدت طريقها إلى مخزون الحكمة الشعبية والأمثال الاجتماعية التي تجعل من العمل السياسي والمعارضة بمثابة "الالقاء بالنفس إلى التهلكة"، ويكفينا هنا مرورا سريعا على بعض الأمثال والحكم لنجد أنفسنا أمام جدران نفسية متينة صنعتها ثقافة الخوف؛ "حط راسك بين الروس وقول يا قطاع الروس"، " اللي يأخذ أمي اسمه عمي"، "امش الحيط الحيط وقل يا رب الستر"، "الحيطان لها آذان"..الخ.

ومن التجليات الأخرى التي يمكن أن نقرأ فيها الهروب من مواجهة الواقع السياسي والاستسلام للخوف: مفهوم المهدي المنتظر، الذي يحتاج إلى دراسة معرفية- سيسيولوجية جادة، ويمثل في سياق نقاشنا الحالي نموذجا من السلبية السياسية الشعبية التي تتوقع أن الإصلاح السياسي والتغيير ليس منوطا بنا، بل بمخلّص معزول عن الشروط التاريخية الواقعية وعن أي دور يمكن أن تقدمه الشعوب والمجتمعات باتجاه انتزاع حقوقها المسلوبة.

الأمانة تقتضي القول أنّ هناك خطابا وأدبيات فكرية تناقش ثقافة الخوف وتعمل على نقدها والتخلص منها، لكنها لا تزال ادبيات نخبوية، لم تصل بعد إلى الاشتباك مع الثقافة الشعبية السلبية على مستوى الخطاب والممارسة. في المحصلة، نحتاج إلى جهود فكرية وسياسية كبيرة لبناء "ثقافة بديلة" تهدم جدران الخوف في النفوس والمجتمعات العربية. m.aburumman@alghad.jo  

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »كلام طيب لكن...... (دلمون اورال)

    الأربعاء 26 نيسان / أبريل 2006.
    كلام طيب جميل نحتاج ان نقوم بذلك فورا ودون تردد.ومطلوب من الاعلام خلق الظروف الموضوعية لذلك