مؤتمرات الاعتدال

تم نشره في الاثنين 24 نيسان / أبريل 2006. 03:00 صباحاً

في عالمنا العربي ومحيطنا الاسلامي موجة من المؤتمرات واللقاءات والندوات حول الاعتدال والوسطية ونبذ العنف والتطرف. هذه الجهود مطلوبة في مواجهة بؤر التطرف الذي يمتد من اللفظ الى الفكر وحتى استخدام السلاح والسيارات المفخخة والقنابل ضد الابرياء وفي غير ساحة مقاومة او عدو حقيقي.

وهذه اللقاءات تحاول القول أنّ التطرف ليس من الاسلام، وان التشدد خروج عن اصل الدين بل يجر على الاسلام والمسلمين الويلات ويزيد من حالة الاستهداف والاتهام للدين، وهي محاولات جادة مخلصة للدفاع عن الاسلام وحماية جوهره من الاساءة او الفهم الخاطئ او استهداف الاعداء والخصوم.

وبعض هذه المؤتمرات تأتي بعلماء واصحاب مواقع في حياة الناس، ولأقوالهم مصداقية وقيمة وما يتمخض عنها يكون محل احترام مثلما جاءت رسالة عمان من احدى هذه اللقاءات الهامة. لكن الملاحظ ان هنالك "موضة" تسمى مؤتمرات الوسطية والاعتدال، وكأنها محاولة لاستثمار الاجواء التي ترحب بكل جهد لمكافحة التطرف والارهاب، وربما اصبحت احد اشكال التقرب لأصحاب القرار، او للحصول على موقع في الساحة السياسية.

ويلاحظ أيضا أنّ بعض المؤتمرات تضم علماء او مفكرين، لكن مشكلتها أنّها حديث المعتدلين لبعضهم البعض، فالأطراف التي تؤمن كليا وجزئيا بالعنف ليست طرفا في الحوار؛ ولهذا فهي ندوات "داخلية" او عائلية يقضي فيها المدعوون اياما في الندوات والكلمات والتعقيب والنقاش، ثم "ينفض السامر" ولا قيمة حقيقية لهذا في اشاعة اجواء اعتدال او تكوين قاعدة ثقافية او احتلال وسائل تأثير في واقع المعتدلين او المتطرفين.

نحن هنا لا نتحدث عن النوايا. فالجميع يريدون الخير، ولا عن توجهات او عن الحاجة الى محاربة التطرف فهذه بديهيات، لكننا نشير إلى الجدوى والتكرار الممل الذي اصبح يصاحب عقد هذه المؤتمرات، فمعظم الوجوه تتكرر في كل الندوات والمؤتمرات والكلام يعاد ويتكرر في اوراق العمل والتعقيبات، تماما مثل ندوات الاصلاح السياسي التي يتحدث فيها الاشخاص أنفسهم في الندوات والاعلام والمحاضرات، ولهذا فقدت ندوات ومؤتمرات الوسطية والاعتدال قيمتها في التأثير، ولم تعد مدهشة حتى لأكثر المتحمسين لها، وربما تحوّل بعضها الى محلات علاقات عامة.

مزاج الامة بشكل عام وسطي معتدل، وموقفها من السياسات الاميركية الصهيونية الظالمة ليس نقيضا للاعتدال، اما من يمارسون التطرف، فلا يستمعون لمؤتمرات الاعتدال ولا لخطاب الوسطية، ويصنفون كل هؤلاء في معسكر الكفر او على الاقل التواطؤ مع اعداء الامة.

الحاجة الى مؤتمرات كانت في مرحلة سابقة ضرورية لرفع صوت الوسطية والعقل، لكن تحول المؤتمرات الى موضة وتكرار يجعل منها عملا لا يتعدى مداه قاعات الفنادق والاخبار المقتضبة عما يتحدث به المعتدلون في الصحف وبعض وسائل الاعلام.

ما يحتاجه الاعتدال مسارا اصبح واضحا، لكنه يحتاج الى ترجمته إلى سياسات ومؤسسات واجراءات. اما الذهاب الى الخيار الاسهل وهو المزيد من الندوات فهذا امر يدخل في اطار الترف.

sameeh.almaitah@alghad.jo

التعليق