إبراهيم غرايبة

المجتمعات: دور جديد ومختلف

تم نشره في السبت 22 نيسان / أبريل 2006. 03:00 صباحاً

التحولات الكبرى والجارية في دور الدولة تحول حتما نضالات المجتمعات نحو العدالة الاجتماعية والتنمية والإصلاح نحو أوعية ووسائل جديدة للعمل، ولا يجوز بحال أن يبقى خطاب الإصلاح عند استعادة دور الدولة والزمن الجميل، فلكل مرحلة أهدافها في النضال، وإذا كانت الدولة تتخلى عن الرعاية الاجتماعية والصحية فإن الحريات العامة وخضوع الحكومات للرقابة الشعبية والمجتمعية وتنظيم المجتمعات على أساس من مصالحها واحتياجاتها يصبح هدفا تلقائيا للإصلاح والعمل، لأن تخلي الدولة عن دورها في الرعاية مع مواصلتها للجباية وزيادة الضرائب والتأميم السياسي سيؤدي إلى خلل سياسي واجتماعي خطير.

ما الأسس القائمة للإعداد لإصلاح المؤسسات العامة والمجتمع المدني والتي أضعفت بشدة؟

وكيف يمكن للإصلاحات الضرورية الملحة أن تدفع قدما عملية سياسية تحكمها مصالح تقاوم الإصلاح بقوة؟ وكيف يمكن إحياء ثقافة مع مؤسساتها وما تؤمن به دون إحياء الدولانية والديماغوجية؟

برغم أن كتاب "بناء مجتمع من المواطنين: المجتمع المدني في القرن الحادي والعشرين"  والذي ترجم ونشر في عمان (الأهلية للنشر) يركز على التجربة الأميركية في هذا المجال فإنه يمكن أن يكون مفيدا في ملاحظة بعض التجارب والمشكلات، ذلك أن أزمة المجتمع والدولة اليوم هي أزمة عالمية وليست خاصة بنا.

يلاحظ دافيد بلانكنهورن أن ثمة ضعفا أميركيا في المجالات المدنية والثقافية والأخلاقية، فتظهر عيوب الحلول الحكومية وعدم صلاحيتها، وتحدث عن ركود اجتماعي وركود ثقافي كان له عواقب خطيرة، فثمة تراجع في الشعور بالالتزامات المدنية، وانخفاض في الثقة بالمؤسسات الاجتماعية، وتدن في اهتمام الناس ببعضها في المجتمع، وزيادة في العنف، وتراجع معدلات نتائج الامتحانات المدرسية والجامعية.

إنّ السياسة وحدها لم تعد تؤثر فيما يقدره المواطنون أكثر من أي شيء آخر، فلا دولة الرفاه ولا انبعاث الرأسمالية تمكننا من حل مشاكل المجتمع الملحة العميقة، بل إن كل واحدة منهما قد ساهمت في إفساد المجتمع المدني ومؤسساته، فحين ضعفت بنى المجتمع الوسيطة كالأسر، والمؤسسات الدينية، والمجتمعات المحلية، والجمعيات الطوعية بقي الأفراد أكثر عزلة وقابلية للانهيار داخل دولة تزداد سيطرتها اتساعا.

وأفرزت قوى الحداثة من تشظي المجتمع وانقطاع جذوره أكثر مما أفرزت السياسة، ولطالما أدرك المفكرون الاجتماعيون أن قوى الجذب من تعاون وتضامن تنقلب بسرعة ليحل مكانها الميل إلى التخلي عن الارتباط والالتزام، وقد مرت حقبة وصفها عالم الاجتماع دانيال بيل أنها غضب على النظام بسبب تدميرها المتواصل للمؤسسات التطوعية.

ويعزو المفكر المستقبلي ريتشارد إيكسلي التفكك الاجتماعي إلى"الفشل في إعطاء معنى وانتماء وهدف لحياتنا وعدم وجود إطار عمل لقيمنا، وتجريدنا من معنى أوسع لحياتنا، فقد دخلنا في حقبة يتزايد فيها انشغالنا بذاتنا انشغالا مرضيا".

إن الحكم المحلي يشكل أساس التفاعل الاجتماعي والفرز السياسي، وعندما تكون هذه المؤسسات من بلديات ومحافظات عاجزة عن تنظيم إدارة الاحتياجات والموارد فإن فرص المشاركة والتفاعل السياسي والاجتماعي تقترب من الصفر. فالمواطنة تعني المشاركة وليس التفويض القائم على انتخاب ممثلين في المجالس التشريعية، فهذه الانتخابات المعزولة عن المشاركة المحلية تكرس مفهوم المواطن باعتباره زبونا ينتخب مقابل خدمات معينة يتنافس المرشحون في تقديمها ومستوى ملاءمتها لرغبة الزبون.

والمجتمع المدني هو مجال شبكة العمل التطوعي والجمعيات غير الرسمية التي يدير فيها الأفراد كثيرا من شؤون حياتهم، وهذا يقتضي وجود مجموعة من الفضائل والتجمعات الصغيرة والأنظمة السياسية والاقتصادية والثقافية والدينية المتداخلة.

لقد اكتشف السياسيون مجددا فكرة المجتمع المدني، ولكن اهتمامهم هذا لا يكفي لإعادة بناء نظام العمل المجتمعي، فما لم يكن حسب رأي المفكر روبرت رويال هناك روح عظيمة في البيت الأبيض أو شخص مثل لينكولن يفهم حدود ما يمكن للدولة أن تفعله لتشجيع قيام مجتمع مدني معافى فيجب البحث عن مكان آخر لإعادة أخلاقية ومدنية للبناء، فالمجتمع المدني لا يتعلق بالسياسة، ولا علاقة له بالآلة الديمقراطية والدولة وأنظمتها الإدارية، ولكنه نظام بشري أكثر ثراء من الدولة، فالمؤسسات التي يتكون منها المجتمع المدني وتزدهر في غياب التدخلات السياسية تتداعى عندما تحتل الدولة مكانها.

ibrahim.gharaibeh@alghad.jo

التعليق