إبراهيم غرايبة

العراقيون والبحث عن تقاليد سياسية

تم نشره في الثلاثاء 18 نيسان / أبريل 2006. 03:00 صباحاً

من سيكون رئيس الوزراء العراقي ومن سيكون رئيس الجمهورية؟ القضية التي تشغل العراقيين منذ شهور ولم يجدوا أحدا بعد، فالأحزاب والجماعات العراقية الحاكمة اليوم والتي كانت تسمى لفترة طويلة "المعارضة العراقية" وطنت نفسها على العمل السري والمقاومة الثورية أكثر مما كانت تستعد للحكم والمشاركة والعمل السياسي والحزبي العلني وفق قواعد تداول السلطة والتنافس عليها. والعقود الطويلة من الهجرة والعمل في الخارج والتنسيق مع الحكومات والدول كانت كما يبدو وفق أفق من الصراع الأبدي مع النظام السياسي العراقي (السابق) ويبدو أنه كان في الخلفية الذهنية للمعارضة العراقية السابقة نظام أبدي، وأن بين المعارضة وبين الحكم أو والعمل العلني فجوة هدمها بعيد المنال، ولكنها هدمت فجأة.

ووجد الساسة المهاجرون أنفسهم يحكمون العراق. لكنهم في إدارتهم للعراق مازالوا كما لو أنهم الدعاة والساسة الذين يخاطبون جماهيرهم من بعد، ويطوفون في المهاجر والسفارات والفنادق والتجمعات المهاجرة لإسقاط الظلم والاستبداد، ومحاربة الشيطان الأكبر، وكأنهم لم يسمعوا أو لم يقتنعوا بعد بتحديات العراق الجديد، من الإعمار والأمن والصحة والكهرباء والتعليم والعمل.

كان صدام حسين برغم وطأته الشديدة عامل توحيد للقيادات المعارضة السابقة، وما أن سقط نظامه السياسي حتى تبدت خلافات عميقة على القيادة، وما أن أتيحت فرصة لإعادة هذا الخلاف وبعثه من جديد حتى طغى على كل ما سواها من تحديات جسام.

كان الشيطان الأكبر حلا لأزمة أكثر مما كان أزمة، واليوم ما العمل بلا شيطان أكبر؟ ثلاث سنوات تبدو كأنها عقود ثلاثة مرت منذ نهاية النظام السياسي العراقي السابق، سقط في أثنائها مئات الآلاف وأهدر المال والنفط، وتضاعف سعره، وهاجر ملايين العراقيين من جديد، كل من يقدر على الهجرة، كل من يملك مالا أو يجد وظيفة في الخارج، كل من له أقارب، أو يأمل في فرصة للهجرة.

والعراقيون انتخبوا ممثليهم في البرلمان ولكن الانتخابات لم تكن الترياق الذي يجلب الأمن والاستقرار ويعيد الكهرباء وبناء الجسور والطرق، وأسواق العراق اليوم مليئة بالموبايلات وأطباق الساتلايت والبيبسي كولا وفاكهة الموز وكل ما كان العراقيون يسمعون عنه ولا يرونه في أسواقهم، لكن العراقيين لا يجدون النفط، نعم النفط، ويذبحون على الهوية والاسم، وتفجر مساجدهم ويختطفون ويعتدى عليهم ويشعرون بالرعب.

إن التعددية من حقائق الحياة على مستوى الدول والجماعات والأفراد أيضا، فلا يمكن تصنيف الفرد الواحد في خانة واحدة، والهويات تتفاعل وتتعاون وتتتافس وتتصارع وتندمج وتموت وتحيا، ولكن المكان يبقى والناس يتواصل امتدادهم، وليس العراق بلدا مختلفا عن دول العالم في التاريخ والجغرافيا، فالأتراك في تركيا لا يصلون إلى نصف السكان، والباقون كرد وعرب وأرمن ويونان وغيرهم، وفيها مذاهب وأديان شتى ومناطق ولغات، وأحزاب واتجاهات سياسية وفكرية، وإيران يتوزعها فرس وعرب وكرد وبلوش وتركمان وأذريون، ولغات وهويات ومذاهب وأديان، والولايات المتحدة الأميركية لا يمثل الانجلو سكسون فيها أغلبية، فتتوزعها انتماءات إلى جميع دول العالم، ولغات ومذاهب وأديان.

وعدم شعور العراقيين جميعهم بالرضا والعدل سيواصل الشعور بالظلم والاستهداف، ولن يتغير الوضع السابق الذي كانت تشعر فيه بعض الأطراف العراقية بالإقصاء والاضطهاد، وكل ما في الأمر هو تغير الوجوه وتبدل الضحايا لتستمر دوامة العنف والانتقام والحقد المتبادل.

وما يحتاجه العراقيون هو أن يكتشفوا ويتبعوا اتجاههم التاريخي في العمل على إقامة دولة للعراقيين جميعا، وتحقيق السيادة الوطنية، والاستجابة لانتماء ينتفي معه اصطياد الفرص والمكافآت، ولهاجس محكوم بحتميات مسار عام للتاريخ يصنع المستقبل على نحو متناقض مع المخططات الراهنة التي تناطح التاريخ والجغرافيا، وألا يديروا ظهرهم للتاريخ والمستقبل وألا يستجيبوا لغرائز أولية من الانتقام، وفرص تقدمها اللحظة التاريخية للمغانم.

ibrahim.gharaibeh@alghad.jo

التعليق