إبراهيم غرايبة

مراجعة الضرائب والسياسات والأفكار أيضا

تم نشره في الاثنين 17 نيسان / أبريل 2006. 03:00 صباحاً

دعوة جلالة الملك إلى مراجعة الضرائب، وإنصاف الطبقات الوسطى والفقيرة، يجب أن تكون ناقوس خطر تلتفت إليه الحكومة والجماعات والشركات أيضا؛ فهي في عصر الخصخصة شريكة في المسؤولية الاجتماعية. ويبدو ان السياسات الاقتصادية الحالية تؤدي الى تعزيز فرص الاغنياء على حساب اصحاب المهن والمشروعات الصغيرة والمتوسطة.

ليست المشكلة في رفع الدعم عن المحروقات، وليس الحل في تعويض الفقراء والإحسان إليهم، فما يحتاجه الفقراء والناس جميعا هو العدالة الضريبية والحكم الرشيد، إذ سيكون المجتمع بجميع فئاته مع هذين الشرطين قادرا على تدبير معاشه واحتياجاته، وتحقيق مستوى كريم من المعيشة والتقدم الاقتصادي من دون حاجة إلى دعم, بل ومن دون معونات خارجية.

هناك خلل ضريبي فظيع، فضريبة المبيعات التي تشكل نسبة عالية من ثمن السلع التي يشتريها جميع المواطنين، على اختلاف مستوياتهم الاقتصادية، تُحصّل بفعالية ومهارة فائقة، لكن ضريبة الدخل يتراجع تحصيلها ودورها في موارد الدولة، ويعاد تصميمها وتطبيقها على نحو فيه انحياز كبير وتحصيل فعال من الموظفين والمهنيين، والتهرب الضريبي يزيد كثيرا على العبء الناشئ عن رفع الدعم.

وتتداول معلومات كثيرة عن عمليات تأجير وبيع أراض للمستثمرين بأسعار بخسة جدا لا تكاد تصدق، وهي استثمارات غير موجهة نحو الاحتياجات الحقيقية والأساسية للمجتمعات والناس، لكنها تخدم شريحة ضئيلة في المجتمع، ولا تشكل استثمارا حقيقيا أو مكاسب متجددة واستراتيجية، وكان يمكن أن تكون إيرادات الإيجار والبيع أكبر بأضعاف كثيرة.

الهند تقدم درسا مهما للعالم قد يكون الأردن أكثر الدول حاجة إلى الاستفادة منه، فهذا البلد يستثمر في الكفاءات التعليمية والمهارات المهنية لمواطنيه على نحو ذكي وفعال، ويوظف إمكانات وفرص الشبكية القائمة في الاتصالات والمعلوماتية، بحيث يجري ترتيب ملايين العقود لشركات أميركية وأوروبية وخليجية في المحاسبة، والبرمجة، وتصميم البيوت والعمائر وشبكات التبريد والتدفئة التي تنفذ في الهند وتسلم لأصحابها حول العالم. وتجري شركات هندية عملاقة استثمارات في مشروعات موجهة نحو الفقراء، تشغل على نحو دائم ملايين العاملين، وتحقق في الوقت نفسه أرباحا بالمليارات.

لقد آن الأوان، وبخاصة في الأردن، للتخلي عن التفكير الاستعلائي والتمييزي أيضا، والقائم على خرافة أن الاستثمار لا ينجح إلا إذا كان موجها للأغنياء، وأن الفقراء لا يمكن التعامل معهم إلا بالمعونات والمشاريع الحكومية؛ فشركات الاتصالات وما حولها، وأجهزة الحاسوب، والمؤسسات الإعلانية والإعلامية، والجامعات والمدارس الخاصة، والصناعات الغذائية والدوائية، كلها تستند إلى قاعدة واسعة من الفقراء والطبقات الوسطى وأصحاب المهن أكثر من الأغنياء والشركات الكبيرة.

وتجربة الهند تغير المنطق السائد لدى صانعي السياسة من كون الفقراء هم المشكلة إلى أنهم يمثلون سوقا يمكن للقطاع الخاص المشاركة فيها بفعالية، وأن يكونوا مستهلكين. كما تغير هذه التجربة، في المقابل، المنطق السائد لدى المنظمات الخيرية والحكومات ووكالات الغوث، ومفاده أن القطاع الخاص ليس موضعا للثقة للمشاركة في التنمية، وأن الحلول المعتمدة على السوق لا يمكنها تحقيق التنمية وتخفيض معدلات الفقر.

إن تحويل الفقراء إلى مستهلكين ضمن إمكاناتهم يتيح لهم أيضا الحصول على الكرامة وحق الاختيار، بدلا من أن ينظر إليهم وينظروا هم إلى أنفسهم على أنهم متلقون للإعانات والصدقات.

فقد كان للنجاح الذي حققه مصرف غرامين في بنغلادش في الخدمات التمويلية الصغيرة "بنوك الفقراء" أساس لانتشار هذا النوع من الاعمال حول العالم، باعتبارها عمليات تجارية مربحة، وأمكن في الهند إنتاج أنواع من الأدوية المتقدمة بأسعار يقدر عليها الفقراء، وبمزايا ربحية أيضا. ويقوم مستشفى أرافيند للعيون، والذي بدأ في الهند، بتقديم خدمات في إفريقيا وكمبوديا وفيتنام، وتقوم فلسفته على تقديم إمكانات فنية متقدمة، بجودة عالية وبتكلفة منخفضة، ويحقق في الوقت نفسه أرباحا كبيرة.

ibrahim.gharaibeh@alghad.jo

التعليق