الأمم المتحدة تتبع ولا تقود

تم نشره في السبت 15 نيسان / أبريل 2006. 03:00 صباحاً

   قررت الأمم المتحدة مقاطعة الحكومة التي اختارها الفلسطينيون من خلال انتخابات ديمقراطية خضعت للرقابة الدولية وحظيت بالثناء على أنها كانت من أنزه وأصدق الممارسات الديمقراطية في المنطقة.

   وبالرغم من أن الأمين العام للمنظمة الدولية دعا لاحترام قرار الشعب الفلسطيني، إلا أنه الآن يتراجع، ويعلن من خلال الناطق الرسمي ستيفان دوجيراك عن قرار الأمم المتحدة حظر الاتصالات الرسمية مع أركان الحكومة الفلسطينية، مع الحفاظ على المساعدات الإنسانية بما في ذلك اتصالات منظمة الصحّة العالمية لاحتواء وباء انفلونزا الطيور، (لعل صحّة الطيور هي التي استوجبت الاستثناء).

   كل محاولة للتخفيف من بشاعة المقاطعة بتأكيد استمرار المساعدات الإنسانية إنما هي تعميق للجرح الظالم، والخالي من الإنسانية، كما أنها تهدف لتحسين صورة القرار أكثر مما تهدف للتخفيف من أعباء العقوبة الجماعية عن المستهدفين بها.

   أن تقرر إسرائيل، أو الولايات المتحدة، أو دول الاتحاد الأوروبي، أو النرويج، أو أية دولة أخرى قطع مساعداتها عن الفلسطينيين فذلك شأنها، كونها دولا تملك كل الحق في اتخاذ القرار الذي تريد بغض النظر عما يعنيه القرار.

   أما الأمم المتحدة، ومن خلال الناطق الرسمي، الذي يتكلم باسم الأمين العام فليس من حقه اتخاذ مثل هذا الموقف دون الرجوع إما لمجلس الأمن أو للجمعية العامّة. ولا يحق للأمين العام أو من يمثله اتخاذ أي موقف يتناقض مع روح الميثاق، ومع مواقف غالبية الدول الأعضاء.

   إذن، يقدم هذا القرار دليلاً آخر على انهيار مكانة المنظمة الدولية وخضوعها المستمر للابتزاز المعنوي والسياسي، وتحوّلها لأداة طيّعة في أيدي الدول العظمى، على حساب القانون الدولي، وأهداف المنظمة وغايات ميثاقها، وعلى حساب السلم والأمن الدوليين. والأهم من ذلك هو تجاوز حقوق الدول الأعضاء في المنظمة التي لم تفوّض الأمين العام باتخاذ مثل هذا الموقف ولم يُفْسَحْ لها المجال حتى لقول كلمتها.

   كان الأجدر بالأمين العام أن يتصرّف بمسؤولية وبشجاعة بالأمور التي هي من صلب واجبه، فبدلاً من أن يتسرّع بمعاقبة حكومة منتخبة لم ترتكب حتى الآن ما قد تحاسب عليه، ولو ارتكبت لكان من واجب مجلس الأمن أو الجمعية أن تناقش ذلك وتقرر نوع المحاسبة والمعاقبة؛ كان الأجدر بالأمين العام أن يقاطع الدولة التي لم تلتزم منذ قامت بالقرارات الدولية باحتلالها لأراضي الدول المجاورة ولارتكابها كل الانتهاكات بحق القانون الدولي والمواثيق الدولية وبرفضها لكل القرارات الدولية ذات العلاقة.

   هل تجرّأ الأمين العام يوماً على مطالبة إسرائيل بتنفيذ القرار 242 الذي مضى عليه أكثر من 39 سنة دون تنفيذ، والقرار نفسه ينص على تكليف الأمين العام بإبلاغ مجلس الأمن بالتنفيذ اللازم؟

   هل تجرّأ الأمين العام يوماً على رفض انتهاكات إسرائيل بمصادرة الأراضي ونسف البيوت والحصار والمجازر وبناء جدار الفصل العنصري الذي رفضته محكمة العدل الدولية في لاهاي بصورة لم تقبل الشك ولا الغموض.

   وهل تجرّأ الأمين العام على إدانة القصف اليومي المستمر لغزّة وقتل طفلة عمرها ثماني سنوات وإصابة والدتها الحامل وكل أفراد عائلتها بقذائف المدفعية الإسرائيلية بالإضافة لأكثر من 20 بريئا مدنيا آخر من ضحايا ذلك القصف في مدى أيامٍ معدودة، ومسلسل القتل مستمر.

   من المؤسف أن ينهار دور المنظمة الدولية في عهد الأمين العام الحالي لهذا الدرك، في وقت نشهد فيه أن السلم والأمن مُهدّدان بشدّة في أكثر من موقع واحد من عالمنا. وعندما يكون الخطر على أمن وسلام البشرية بهذا المستوى فإن المطلوب والمنتظر أن يتعزّز دور المنظمة الدولية لتؤدي المهام المطلوبة منها، ولتُسمع صوتها للشعوب والدول التواقة للسلام والتي لا ضمان لها ولا لحقوقها ولا لأمنها إلا القانون الدولي ومسؤولية المنظمة الدولية في حماية وتطبيق هذا القانون؛ لا أن تصبح المنظمة الدولية جزءاً من الخطر ومصدراً للخوف وفقدان الأمن وانهيار سلطة القانون.

   ولكن الأمين العام لم يثبت في أي وقت قدرته على القيام بهذه المهمّة. وقد ازداد وضعه ضعفاً عندما تكشّف عجز المنظمة واستشراء الفساد فيها خاصّة في إدارتها لبرنامج النفط مقابل الغذاء الذي وصل بحسب تقارير المحققين إلى مكتب الأمين العام وأفراد من عائلته. فهو الآن في وضع معرّض هش لا يملك إلا درء الخطر عن نفسه لحماية وظيفته المُتْرفة وامتيازاتها الكبيرة، وليهن من أجل ذلك كل شيء آخر.

   الخطورة فيما يتعلّق بموضوع مقاطعة الفلسطينيين سياسياً، وحجز المساعدة عنهم مالياً بحجّة عدم انصياع الحكومة التي انتخبوها لمتطلبات "المجتمع الدولي"، الخطورة لا تقتصر على ما يضر أو ينفع حماس أو الفلسطينيين بل تتعدّى ذلك بكثير. فالشعب الفلسطيني يتعرّض لسياط الظلم والعقاب منذ أكثر من قرنٍ من الزمان.

   الخطورة هي أن ما يسمّى بالمجتمع الدولي آخذ ينزلق في ذات الهاوية التي وقعت فيها الولايات المتحدة عندما قدّمت مصالح غيرها على نفسها، أي مصالح إسرائيل، وعندما عرّضت، نتيجة لذلك، أمنها وأمن مواطنيها وأرضها للخطر بحسب ذلك التقرير المهم الذي يدور حوله أعنف الجدل حالياً: تقرير ميرشايمر وستيفن وولت حول اللوبي الإسرائيلي وسياسة أميركا الخارجية.

   الخطورة أننا نرى الاتحاد الأوروبي يحذو حذو أميركا بعد أن قطعت أوروبا خلال العقود الثلاثة الماضية أشواطاً كبيرة في تفهمها لأوضاع المنطقة وفي تصرّفها بمقدار كبير من المسؤولية والموضوعية والرصانة السياسية تجاه الصراع العربي الصهيوني. بعد انهيار المعسكر الشرقي كان الأمل في أن يُعاد التوازن الدولي من خلال دور أوروبي متوازن ومسؤول.

   ما الذي يجعل أوروبا تحيد باتجاه الهاوية وقد شاهدنا كيف استطاعت أميركا المتورطة في العراق أن تورط بريطانيا وإيطاليا وأسبانيا في ذلك المستنقع الدامي المشين وبدلاً من أن يكون ذلك درساً للتنبه واليقظة نرى الاتحاد الأوروبي برمته ينساق الآن وراء سياسة الانحياز والظلم والمحاباة، بمعاقبة المظلوم لمصلحة المعتدي والعدوان القائم المستمرّ.

   من حق الدول الأوروبية أن تطالب الحكومة الفلسطينية بأي موقف مقابل استمرار مساعداتها المالية، ولكن من حق العدالة عليها أيضاً أن تكون مطالبها محقة وعادلة ومعقولة ومتوازنة. فمقابل اعتراف حماس بإسرائيل وبنبذها للعنف وقبولها باتفاقات سابقة، يجب أن يُطلَب من إسرائيل الشيء ذاته، ويجب أن تطالب إسرائيل بإنهاء احتلالها ووقف انتهاكاتها للقانون الدولي وحقوق الفلسطينيين واحترامات الاتفاقات التي يدور الحديث حولها.

   إن استمرار محاباة القويّ على حساب الضعيف كما يحدث بصورة فاضحة حالياً من شأنه أن يهدّد القوي والضعيف معاً، كما أن من شأنه أن يهدد سلام وأمن الجميع.

   المطلوب استبدال تعبير "المجتمع الدولي" بالقانون الدولي لأن التعبير الأول يمثل النفاق والمحاباة والتفريط بالمبادئ والحق والعدل بينما يمثل الآخر قوّة القانون المعطلة.

سفير الأردن السابق في الأمم المتحدة

التعليق