إبراهيم غرايبة

الخاسرون

تم نشره في الاثنين 10 نيسان / أبريل 2006. 03:00 صباحاً

   يجادل ناهض حتر في كتابه الذي صدر مؤخرا بعنوان "الخاسرون: هل يمكن تغيير شروط اللعبة؟" حول التحولات والتداعيات المصاحبة للسياسات الاقتصادية الجديدة التي بدأت الدولة الأردنية تنهجها منذ منتصف التسعينيات، ولكنها اتخذت وتيرة متسارعة في بداية الألفية الثالثة.

   ويلاحظ حتر أن هذه التحولات أدت إلى نشوء طبقة جديدة (الرابحون) منتفعة من هذه التحولات، وهي أقلية لا تتجاوز 2% من المضاربين العقاريين والماليين ووكلاء المصالح الأجنبية وكبار الرأسماليين النشطين في حقول خدمية وعقارية ومالية ونفطية، وهي أقلية قائمة على تحالف المال والنفوذ، وتسيطر على القرار الاقتصادي.

   ونشأت طبقة أخرى هي (الخاسرون) وهم الأكثرية من الموظفين والمتقاعدين المدنيين والعسكريين والمهنيين وأصحاب المشاريع الصغيرة والمتوسطة والمزارعين الذين أثقلتهم الضرائب الجديدة والالتزامات الناشئة عن تخلي الدولة عن كثير من الخدمات والمنافع التي كانت تؤديها.

   وفي الوقت الذي نجحت فيه الأقلية في تنظيم نفسها على النحو الذي يجعلها تسيطر على موارد الدولة والمجتمع والقرار والتشريعات وتطيح بالمجموعة البيروقراطية التقليدية في الدولة فإن الأكثرية الخاسرة لم تنجح في إعادة تنظيم نفسها حول مصالحها والتحديات الجديدة التي تواجهها، وهنا تقع الإشكالية.

   فهل يكون الإصلاح كما يدعو المؤلف في إعادة النظر في هذه السياسات ومراجعتها بسبب الخسائر الاقتصادية والاجتماعية الناجمة عنها؟ أم يجب الإقرار بهذه السياسات والقبول بها ولكن مع التفكير في العمل على توظيفها إيجابيا لصالح الأكثرية تماما كما وظفتها الأقلية لصالحها؟ وهل هذا ممكن؟

   هل الحل في الديمقراطية؟ فالواقع القائم اليوم مستمد من حريات اقتصادية وتأميم سياسي، ويكون الحل في حريات سياسية واقتصادية في آن معا، ويتوقع أن ينشأ هنا جدل سياسي حول السياسات الاقتصادية والضريبية المتبعة كما يجري في الغرب. ولكن من الواضح أيضا أن الغرب نفسه يواجه الأزمات نفسها وأن التحولات الاقتصادية والتشريعية المنظمة للحياة الاقتصادية تشكل أزمات كبيرة تذهب بمكاسب الطبقات الوسطى والفقيرة، والمظاهرات التي تجري اليوم في فرنسا تؤكد على أن التحولات الاقتصادية الجارية في الغرب والمغطاة بانتخابات ديمقراطية وحريات سياسية تسير في المدى الواضح على الأقل في عكس مصالح الأكثرية من الطبقات الوسطى والفقيرة.

   وثمة تيار سياسي واسع في الغرب، يعبر عنه كثير من القادة والأحزاب مثل شرويدر المستشار الألماني السابق، يحاول أن يبحث عن طريق ثالث بين الليبرالية الاقتصادية وبين الدور الكلي للقطاع العام، ويبقى الخيار الديمقراطي المفتوح ضمانة يبحث من خلالها الناس عن حلول وأفكار قد لا تكون معروفة في المدى الراهن ولكن يجب البحث عنها، وأما في حالة غياب الحريات والديمقراطية فإن الأمل في الحل يصبح بعيدا جدا.

   ولكن هذه المقولة ليست نهائية، فقد نجحت الصين في تحقيق تقدم اقتصادي مع مواصلتها لسياسات استبدادية وشمولية، وفشلت روسيا اقتصاديا مع سلوكها الديمقراطي الليبرالي، واستطاعت دول الخليج أن تجمع بين أنظمة اقتصادية ليبرالية وسياسات رعاية اجتماعية وخدماتية تزيد على الاشتراكية وأنظمة سياسية تقليدية محافظة، وحققت في ذلك لمواطنيها مستوى متقدما من المعيشة والتنمية البشرية وحياة اقتصادية متقدمة لا يعود الفضل في تحقيقها للنفط وحده مع أخذه بالاعتبار بدليل فشل كل من العراق وليبيا والجزائر في تحقيق مستوى مماثل من التنمية البشرية والتقدم الاقتصادي برغم الوفرة النفطية.

   إن الحلول السياسية والاقتصادية والاجتماعية وضمان الحريات والديمقراطية لا تقوم على النوايا الطيبة مع أهميتها وضرورتها، ولا تنشئها عقيدة أخلاقية مثالية تؤمن بالمصالح الوطنية والانتماء والمشاركة مع ضرورتها أيضا، ولكن ضمان الحرية والديمقراطية والتقدم هو المصالح وأن تعيد المجتمعات والتجمعات نفسها على أساس مصالحها فذلك هو الذي ينشئ الحرية والتقدم والأخلاق والانتماء أيضا، فالتجارة كما يصفها السياسي البريطاني ريتشارد كوبدن (1857) دبلوماسية إلهية، وليس من طريق غيرها لتوحيد الناس في وشائج السلام، وعندما تتحرك المجتمعات والنقابات والبلديات والعشائر أيضا باتجاه هذا الهدف فربما نكون قادرين أو على الأقل نعرف كيف نوظف التحولات الجارية والتي يغلب عليها أنها مثل الإعصار أو المنخفض الجوي الذي لا يرد لأغراض السلام والتقدم.

ibrahim.gharaibeh@alghad.jo

التعليق